رسائل إقليمية ودولية ضاغطة تربك حسابات حركة النهضة في تونس

17:59

2019-10-19

دبي - الشروق العربي - كشفت مصادر سياسية تونسية النقاب عن أن حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، تلقت خلال الأيام القليلة الماضية، رسائل إقليمية ودولية مباشرة وأخرى ضمنية، وصفت بـ”الضاغطة”، لما تضمنته من تساؤلات بمفردات عكست انشغالا وقلقا كبيرين من المسار الذي بدأ يسلكه المشهد التونسي بحوافه المتلاصقة في علاقة بتركيبة البرلمان، وطبيعة الحكومة المراد تشكيلها لاحقا.

وترسم تلك الرسائل مشهدا بدأ من الآن يثير الكثير من السيناريوهات المقلقة، ليس فقط بالنسبة لحركة النهضة الإسلامية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وإنما أيضا مجمل الفاعلين السياسيين الذين لا يخفون خشيتهم من انزلاق المشهد السياسي في البلاد نحو مربع خطير، تتنازع فيه الشعارات، وتتبادل فيه الاتهامات وسط أجواء ملتبسة، ومشحونة بالتوتر.

وأربكت تلك الرسائل حسابات راشد الغنوشي، خاصة وأنها ركزت على الاصطفاف العلني لحركة النهضة لخطاب “الثورة” لبعض الأطراف التي لا تتردد في الدعوة إلى إعادة “البناء” على قاعدة شعار “الشعب يريد” بغض النظر عن متطلبات استمرارية الدولة والتزاماتها، وكذلك إمكانياتها الاقتصادية بما يشي بمرحلة جديدة تتسم بالهروب إلى الأمام يصعب معها ترحيل الأزمات المتراكمة.

وأكدت تلك المصادر في تصريح لـ”العرب” أن راشد الغنوشي الذي لم يتخلص بعد من نشوة الانتصار “المغشوش” في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أعطت حركته 52 مقعدا من أصل 217 مقعدا، اضطر إلى تأجيل زيارة كانت ستقوده إلى تركيا وقطر بحثا عن استشارات سياسية، ودعم مالي للحكومة التي تعتزم حركته تشكيلها في الأيام القادمة.

وذكرت أن الغنوشي ذهب فعلا الأربعاء الماضي إلى مطار تونس قرطاج الدولي استعدادا للسفر إلى تركيا، لكنه وهو في المطار تلقى اتصالا هاتفيا جعله يلغي السفر والعودة إلى مكتبه حيث وجد هناك مبعوثا من السفارة الفرنسية سلمه رسالة رسمية عبرت عن القلق إزاء الخطاب “العنيف والمتطرف” لبعض الأطراف التي تعتزم حركة النهضة التحالف معها خلال الفترة القادمة، وذلك في إشارة ضمنية إلى “ائتلاف الكرامة”.

واستطاع ائتلاف الكرامة الذي يتكون من شخصيات تصف نفسها بـ”الثورية”، وتنتمي إلى “روابط حماية الثورة” المثيرة للجدل بسبب خطابها “العنيف والمتشدد”، انتزاع المرتبة الرابعة في الانتخابات البرلمانية الماضية برصيد 21 مقعدا، ليشكل مفاجأة سياسية، خاصة وأن عددا من مسؤوليه يطالبون صراحة بمراجعة ضوابط العلاقات مع فرنسا بأبعادها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية.

والتقط الغنوشي الذي بدأ يستشعر المأزق السياسي المحيط بحركته، أبعاد ذلك القلق والانشغال الإقليمي والدولي، حيث سارع إلى عقد اجتماع للمكتب التنفيذي لحركته استبق به اجتماع مجلس الشورى الذي تبدأ أعماله اليوم السبت، لبحث تطورات المشهد، والتحالفات داخله وخارجه التي يمكن الاتكاء أو المراهنة عليها لتفادي الوصول إلى انسداد سياسي يحول دون تشكيل الحكومة القادمة.

وأقر محمد القوماني، عضو المكتب السياسي لحركة النهضة بوجود مثل هذا المأزق، وتلك الرسائل الإقليمية والدولية الضاغطة، لكنه سعى إلى التخفيف من وطأتها، وتداعياتها، حيث قال لـ”العرب”، “نعم لقد تلقت النهضة سلسلة من الرسائل والاتصالات من أطراف إقليمية ودولية تضمنت تهاني بفوز النهضة بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة”.

وأضاف أن تلك الرسائل والاتصالات “تضمنت أيضا تهاني بنجاح تونس في مسارها الديمقراطي، بتنظيم الانتخابات التشريعية، والرئاسية المبكرة، كما تضمنت أيضا إشارات فيها نوع من القلق والانشغال، وكذلك عدم الارتياح من تصريحات بعض النواب المنتخبين، ومواقف بعض الجهات الأخرى التي اتسمت بالحدة في علاقة بعلاقات تونس الخارجية”.

ولم يذكر القوماني الذي تم انتخابه نائبا برلمانيا عن حركة النهضة في البرلمان الجديد، أسماء تلك الجهات، واكتفى بالقول إن اجتماع مجلس شورى حركة النهضة “سيبحث كل هذه التطورات، إلى جانب النظر في مسألة التشكيل الحكومي الجديد المحمول على حركة النهضة باعتبارها الفائزة بالانتخابات التشريعية، بمعنى تحديد الموقف حول ما إذا سيكون رئيس الحكومة من النهضة أو من خارجها”.

وأكد أنه سيتم في هذا الاجتماع بحث ملامح برنامج وأولويات الحكومة القادمة، وطبيعة تركيبتها (موسعة أو مصغرة)، إلى جانب التحالفات والأطراف التي يمكن أن تشارك فيها، لافتا في نفس الوقت إلى أن المشاورات حول تشكيل الحكومة “لن تكون بمعزل عن البرلمان والمشاورات الجارية حول تركيبته، ولمن ستؤول رئاسته”.

ويرى مراقبون أن حركة النهضة التي راكمت خلال السنوات الماضية الكثير من الأخطاء لم تعد اليوم قادرة على التنصل من تحمل المسؤولية، والبناء على ما يصدر عن اللقاءات الثنائية وغير الثنائية لرسم ملامح سياسة جديدة تسترجع بها الثقة التي فقدتها من خلال الاستثمار في خطاب “الشراكة” الذي عادت لتروج له بحسابات شديدة التغيير يصعب معها التعويل عليها.

وتبقي هذه القراءة السجال مفتوحا، ذلك أنه وفقا للحسابات القائمة، فإن كل ما يتم تداوله حاليا أن الاختلاف في المقاربات الذي تبديه حركة النهضة مع بعض الأطراف التي توصف بـ”المتشددة”، ليس سوى بالون اختبار تجربه هذه الحركة، قبل التخلص منه، ذلك أن الغنوشي ليس لديه الاستعداد الآن للتضحية بمسيرته السياسية، ولا المقامرة بوضع حركته في حالة حصار من أجل إرضاء “ائتلاف الكرامة” الذي تحول إلى عبء ثقيل في ظل استعصاء الخيارات.

ويشير هؤلاء المراقبون إلى أن التصريحات القوية التي تصدر عن بعض القياديين بشأن قيادة الحكومة أو التمسك بالحقائب السيادية لا تعدو أن تكون جزءا من التصعيد لرفع سقف المطالب وتحسين شروط التفاوض مع الكتل البرلمانية التي تراهن النهضة عليها لدخول الحكومة.

وتأتي في هذا السياق تصريحات فتحي العايدي، رئيس مجلس الشورى السابق لحركة النهضة، التي قال فيها إن رئيس الحكومة سيكون من النهضة، وأن من يرفض هذا الخيار فليستعد لإعادة الانتخابات، وهو ما فهم على أنه تعال واستخفاف بالكتل التي تسعى النهضة لإشراكها في التحالف الحكومي.