إردوغان... زمن التراجع والإذعان

11:37

2019-10-19

إميل أمين

دبي - الشروق العربي - تستدعي التطورات السريعة التي جرت بها الأحداث على ساحة المواجهة التركية التساؤل: هل هي بداية النهاية لإردوغان، بعد أن بدا واضحاً دخوله عصر التراجع والإذعان للقوى الدولية، ما جعل من تركيا دولة تتلقى الرسائل الآمرة الناهية من القوى الكبرى حول العالم، وما عليه سوى السمع والطاعة؟
حين أعلنت واشنطن عن قيام وفد رفيع المستوى، من نائب الرئيس الأميركي مايك بنس الذي يشكل العقل المتميز في إدارة الرئيس ترمب، عطفاً على وزير الخارجية مايك بومبيو قلب حكومة البيت الأبيض النابض، والرجل الذي يجمع بين يديه دهاء العمل السياسي وذكاء الآليات الاستخباراتية وطرقها الخلفية، كان الأغا العثمانلي يعلن وبحسم وعزم لا يلينان أنه لن يستقبلهما في أنقرة، وأنه فقط مستعد لمقابلة ترمب إن حضر إليه.
لا يزال السلطان الواهم يعيش زمن العثمانلية القديمة، وتكاد حقبته الآنية تشابه زمن تركيا المريضة في أوائل القرن العشرين، قبل انهيار الإمبراطورية التي لقي منها العالم العربي كل عسف وخسف، ولم تترك من ورائها سوى الآلام والأوجاع، والتخلف الثقافي والمعرفي، وصولاً إلى الانسداد التاريخي الذي نفضه العرب عنهم منذ ثورات استقلالهم في منتصف القرن العشرين.
غير أن إردوغان وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، تحول موقفه وأعلن عن استعداده للقاء الأميركيين النافذين، والسؤال: هل كان له بالفعل أن يرفض وأن يتمادى في غطرسته؟
من الواضح أن كثيراً من المشاهد جرت ما بين واشنطن وأنقرة الأيام الماضية من خلف الكواليس، ولم يستمع العالم إلا لخطاب ترمب للرئيس التركي، والذي جاء بلغة غير مسبوقة في تاريخ الرسائل المتبادلة بين رؤساء الدول، ولم يسبق أن تلقاه مسؤول دولة حول العالم من حاكم لأميركا عبر عصورها.
الخطاب الأميركي إن أردنا تفكيكه بعقلانية، ومن دون انجراف أو انحراف عاطفي أو وجداني، هو الطبعة الأحدث من خطاب القوة الأميركية الصلبة المجردة عن القوة الناعمة، ويبدو أن هذا هو الأسلوب والطريقة الوحيدة التي يتفهمها إردوغان، وأخطر ما فيها ليس تحريك الجيوش الأميركية لقتال تركيا؛ بل تدمير الاقتصاد التركي مرة وإلى ما شاء الله.
لم يكن الرئيس ترمب ليضيع الوقت بعد أن تكشفت له محاولات الديمقراطيين والجمهوريين في الداخل الأميركي سحب البساط من تحت قدميه، بسبب موقفه من الغزو التركي لسوريا، ولهذا بادر إلى رفع عصا العقوبات في وجه الرجل المنهزم حكماً في الداخل، لا سيما أن ساكن البيت الأبيض ذكَّره بإذعان سابق أبداه من جراء قضية القس أندرو برانسون، فقبل عامين تقريباً أحدثت الإجراءات الأولية الأميركية تجاه تركيا انهياراً في قيمة العملة التركية، الليرة، التي انخفضت وقتها إلى النصف.
فُتحت أبواب القصر، والتقى إردوغان صاغراً بنس وبومبيو، وما شاهده العالم على الشاشات من الوجوه المتجهمة وطوال ساعة ونصف ساعة من الحديث المنفرد، يمكن للقارئ أن يتخيل ما الذي دار بين الجانبين قبل التوصل إلى قرار وقف العمليات العسكرية، وتهيئة الأجواء لانسحاب القوات الكردية، وبلورة منطقة آمنة.
هل حقق إردوغان أحلامه وأوهامه، أم أن إرادة تركيا تكسرت على صخرة أطماعه وعبر إذعان دولي غير مسبوق؟
الشاهد أن حال ومآل تلك الاتفاقية يحتاج إلى مزيد من الوقت لفهم أبعاده ومجريات أموره؛ لا سيما أن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو يتحدث بلسان آخر، ويبدي نقاطاً أخرى لم يتكلم عنها الجانب الأميركي. وفي كل الأحوال تبدو قضية الاتفاق تحصيل حاصل؛ لكن ما هو أخطر على إردوغان، ما آلت إليه رئاسته في عيون شعبه، لا سيما أن الجميع اكتشف أن تركيا أضحت ضد العالم كله من جهة، وبات العالم بشرقه وغربه يترصدها من ناحية ثانية، وفي نهاية المشهد لم يكن لها أن تواجه أو تجابه الإمبراطورية الأميركية.
تقبل إردوغان أعتى إهانة في تاريخه من ترمب: «لا تكن أحمق»، وقد أعيت الحماقة بالفعل من يداويها، وها هو مكروه في الخارج وممجوج في الداخل.
لن تتوقف الاستحقاقات والتبعات السلبية للعملية العسكرية الأخيرة في شمال سوريا عند حدود العمل العسكري؛ بل ستمتد إلى كثير من مناحي الحياة في الداخل التركي المأزوم بارتفاع الأسعار وشيوع الفقر، وعدم المقدرة على العيش الكريم، وارتفاع معدلات البطالة.
قبل بضعة أيام تحدث رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض كمال أوغلو، من على منصة البرلمان التركي، متسائلاً: ما شأن تركيا بالشرق الأوسط حتى نتدخل في شؤونه؟ وأي منطق ذاك الذي حول دولاً عربية وإسلامية كنا نرتبط معها بروابط تاريخية وثقافية، إيمانية وإنسانية، إلى أعداء لنا؟ ما الذي يدعونا لنتصادم معهم؟
كمال أوغلو أشار إلى الحقيقة، وهي أن تركيا إردوغان أضحت لعبة لدى القوة الإمبريالية على حد قوله، وتحولت إلى دولة القُصّر التي تتلقى الأوامر من روسيا وأميركا، وتهان بأشد الإهانات، وسلطانها يعاني من جنون العظمة وأحلام اليقظة... إنها البداية، والأسوأ لم يأتِ بعد.