"فولكس فاجن" تحتضن حُلم المُهاجر الغزّي "عابد"

15:09

2019-10-15

دبي - الشروق العربي - يمسك "محمد" بيده اليُمنى قطعةَ قماشٍ يُنظِّف بها سياراتٍ لمعرض دولي أُقيم بمدينة "هانوفر" في ألمانيا، وبالأخرى يمسح جبينه الغارق بعرقه، وبين هذه وتلك حلمٌ يراود مُخيلته التي باتت في كل عملٍ شاقٍ تدعوه للصبر والتحمّل.

على بعد 10 أمتار يقف خمسة أشخاص يتبادلون الحديث "بالألمانية" عن آخر التطورات التكنولوجية وبرمجتها التي وُضعت في آخر الإصدارات، يسمعهم "ماسح السيَارات" ويتجَه صوبهم حاملًا قطعة القماش، ليُشاركهم بمعلومات علمية، فيستدير مسئول بالمعرض نحوه، وعيناه تتسعان من دهشة ما سمعه وما يحمله في يده، ليسأله بنبرة تعلوها الاستغراب: من أنت؟ وماذا تدرس؟ يبتسم محمد ويجيب: "أنا من فلسطين، قدِمت هنا لأدرس ماجستير علوم الحاسوب، ولم يتبقّ سوى القليل لأحصل على الشهادة، بينما أعمل هنا في "مسح السيارات" لكسب قوت يومي، لديّ حلم وشغف بهذه الهياكل المتحركة (السيارات) أسعى للوصول إليه يوماً ما".

حلم "محمد عابد" (31 عامًا) المُهاجر من قطاع غزة تحقق عام 2017م، ليصبح اليوم رسميًا مهندس تطوير وفاحص برمجيات مُعتمد في شركة "فولكس فاجن" -أكبر شركة مُصنّعة للسيارات في العالم- ليكون أحد النماذج الفلسطينية الناجحة التي سعت لتحقيق حلمها، وتغلّبت على قيود الفقر وارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى 65% -وفق مركز الإحصاء الفلسطيني-.

بداية الشغف

شغف محمد وتعلّقه بالسيارات وخباياها لم يكن وليد التخرّج من المدرسة أو الجامعة، فحلم الأشخاص المميزين غالباً ما يكون منذ الصغر، كان عمره 14 عاماً حين أطلقت سيارة المرسيدس –ألمانية الصنع-التي استعارها والده من صديقه بغية الذهاب إلى مناسبة يقصدونها صوتًا غريبًا، فارتبكت يداه وتوقف فجأة عن إكمال الطريق خوفًا من وجود عطلٍ فيها.

مرت لحظات فإذا بابنه (محمد) الذي كان يجلس بجواره يرد :"ما تخاف، ما صار اشي"، وأشار بأصبعه لرسالة على شاشة السيارة تفيد بعدم وجود إشعارات لأية أعطال، وأنها توقفت بهدف فحص نفسها وأردف: "خلينا نكمل مشوارنا"، ليرفض والده ذلك ويقرر الرجوع لصاحب السيارة الذي رد عليه ردًا مماثلًا لكلام ابنه، ليقرر "محمد" بعدها أن دراسته ستكون في هندسة وبرمجة السيارات.

ولأن (ليس كل ما يتمناه المرء يدركه) فجامعات غزة لم تلبِّ حلم "محمد" بدراسة تخصص هندسة السيارات، غير الموجود في أقسامها، ليؤجل حلمه ودراسته لما بعد البكالوريوس، حتى يكون قادرًا وناضجًا على تحدي الظروف والتكيّف مع الصعوبات التي ستواجه عند السفر وبعده، فشابٌ بعمر الـ 23 عامًا يختلف بنيانًا وعقلًا عن شابٍ بعمر الـ 18 ــ وفق تعبيره ــ، ليقرر الالتحاق بالجامعة الإسلامية تخصص تكنولوجيا المعلومات الذي أبدع فيه وتخرج بمعدل "جيد جدًا" عام 2011.

حدّد "محمد عابد" وجهته، واختار ألمانيا لتكون انطلاقة تحقيق حلمه بدراسة الماجستير والعمل في مجال هندسة وبرمجة السيارات الذي يُحب، معللًا سبب اختياره "أنها بلد إنتاج السيارات، فهي الحاضنة لشركات عملاقة ك مرسيدس -الذي لا ينسى موقفه فيها مع أبيه-، وفولكس فاجن، وبي أم دبليو، وآودي، وبورش وغيرهم"، فربما كان لخصال تقليدية معينة يتسم بها الألمان، دور في النجاح الذي حققه صُنّاع السيارات في هذا البلد كال حماس ة المفعمة بالمشاعر والاهتمام بالتفاصيل.

يجلس محمد داخل غرفته في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وينظر لورقة الشروط المطلوبة لاستخراج "فيزا طالب" التي جلبها من الممثلية الألمانية في غزة، ملامح الحزن على وجهه بانت بعد قراءته لشرط إعجازي يتضمن توفير مبلغ 10 آلاف دولار كحساب مغلق، أو توفير كفيل من ألمانيا يضمن له المجيء، إلا أنه لم ييأس وسعى لتوفير باقي الأوراق المطلوبة، بينما الشرط التعجيزي قال فيه "بعاود ربنا يفرجها".

اتصال هاتفي من صديق أبيه المتواجد في ألمانيا، يخبره فيه بالموافقة على كفالته بهدف المقدرة على المجيء ووضع قدمٍ له في بلد السيارات ـــ تلك الكفالة فقط لإجراء رسمي للسفارة وليس لكفالته ماليًا على أرض الواقع ـــ فجهّز عدته حاملًا حلمه ودعاء أمه ونظرة أبيه فحلقّ مُهاجرًا متوكِلا.

20 يورو

التكيّف في البلاد الأوروبية خصوصاً لشابٍ من غزة لم يطأ قدميه أي دولة أخرى، ستكون صعبة خصوصاً في مراحلها الأولى، ولكن تشبثه بحلمه دفعه لأن يعمل عدة أشغال في اليوم الواحد، ليعيل نفسه بسكن يأويه، ولقمة يتناولها، وتسجيل بمدرسة لتعلم اللغة الألمانية، فاستطاع أن يعمل "محمد" بُعيد وصوله كحارسٍ يقف على الباب الخارجي ليلًا لبقالة غذائية في مدينة هانوفر ليحصل على 20 يورو يوميًا، وكان يتحدى آنذاك صعوبة الطقس البارد الذي كان في شهر كانون الأول/ديسمبر، ويصف "كنت أتجمد من البرد، مع درجات حرارة التي كانت تصل للصفر والسالب أحيانًا".

مبلغ الـ 20 يورو لم يكن كافيًا لمحمد ليعتمد عليه، فقرر البحث عن عمل آخر، وكان له ما أراد عندما وجد مطعمًا يعمل فيه صباحًا كصانعٍ للعصائر، وغاسلٍ للأواني، وتوصيلٍ لبعض الطلبات الخارجية ليحصل شهريًا على 300 يورو يساعدانه في تحدي الظروف وتحقيق الحلم المنتظر.

استطاع "عابد" بعد تعلمه للغة الألمانية بأن يسجل في جامعة هانوفر، قسم علوم الحاسوب تخصص هندسة السيارات، ونظرًا لنبوغه في المجال، قرر البروفيسور الذي يُعلّمه بأن يعمل لديه، موضحًا " كنت أساعده في تنسيق وبرمجة قواعد بيانات بسيطة بمُقابل مادي" ساعده على ترك بعض الأعمال الشاقة والتفرّغ للتعلم والعمل معه.

نقطة الانطلاق

قُبيل الانتهاء من الماجستير والتحضير للرسالة كان لا بد من التوجه لشركة متخصصة بالمجال الذي يدرس فيه "محمد" ليعمل بها كـ طالبٍ مُساعد، فقرر الذهاب لشركة iav"" وهي أحد شركات مجموعة (فولكس فاجن) المتخصصة في هندسة وبرمجة سياراتها وابتكار أحدث التقنيات التكنولوجية فيها، ولكن قوبل بالرفض، فقدم مرة أخرى فرُفض أيضًا.

لم ييأس محمد من تكرار الرفض، مؤكداً "سعيت للبحث عن أحد الموظفين الذين يعملون فيها، فشرحت له بأني طالب وأسعى لاستكمال رسالة الماجستير كطالب مساعد في الشركة، مع تقديم شهادة اعتماد من البروفيسور الذي عملت معه"، ليحصل أخيرًا على موافقة تكون بداية لانطلاقته وتحقيق حلمه وكان ذاك في بداية 2016، تاركًا خلفه كل الأعمال الأخرى التي كانت تشغله، ليصب كل وقته في التركيز وفهم الأعمال التي توكل إليه، وطرح الأفكار والابتكارات التي ساعدت في تثبيته وإعجابهم بقدراته.

بعد تعلّمه للغة الألمانية، وحصوله على درجة الماجستير في هندسة السيارات، احتضنت شركة "فولكس فاجن" هذا العقل الفلسطيني للاستفادة منه، فوظفته رسميًا بمنتصف 2017 ليكون "مهندس تطوير وفاحص برمجيات معتمد" داخل جدرانها، ليحصل كذلك على الجنسية الألمانية التي ساعدته على التنقل والحرية في أيِّ مكانٍ ومتى أراد.

يوجه عابد رسالة لجميع الشباب الفلسطيني وخصوصًا من قطاع غزة الذي كان فيه، بأن يتمسك ويسعى كل شخص لتحقيق حلمه، ولا يدع مجالًا للظروف أن تقف سدًا منيعًا له، بل يُحاول أن يخترقها بإرادته وطموحه وثقته بنفسه، متشبثًا بقول الرحمن: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى).

كلمات دلالية