تونس... ظلال الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية

12:32

2019-10-15

د. محمد علي السقاف

دبي - الشروق العربي - مشهد ونتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في نهاية الأسبوع الماضي، يجيبان عن تساؤلنا في مقالنا الأخير «رياح التغيير في تونس إلى أين تتجه؟».
المشهد الذي لفت نظري في تغطية إحدى وسائل الإعلام الغربية للانتخابات البرلمانية، منظر أستاذ القانون الدستوري المستقل قيس سعيد، الفائز في الانتخابات الرئاسية، وهو يقف في الطابور كبقية الناخبين للإدلاء بصوته، في مفارقة مع مشهد وصول راشد الغنوشي، رئيس حركة «النهضة»، الذي وصل بسيارة مع مجموعة من الحرس المرافقين له، إلى داخل صالة الاقتراع، ليدلي بصوته. وهذه المفارقة تظهر الفارق بين الشخصيتين في التواضع والبساطة، واختلاف إمكانياتهم المادية واللوجستية.
على مستوى نتائج التقديرات الأولى، حسب استطلاع الرأي للانتخابات البرلمانية، وهي مجرد مؤشرات، حيث لم تعلن بعد النتائج الرسمية من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أظهرت تصدر حركة «النهضة» المركز الأول في الانتخابات بنحو 40 مقعداً من أصل 217 مقعداً، وبمقارنة هذا الرقم بما حصلت عليه في انتخابات 2011 وهو 89 مقعداً، وحصولها لاحقاً في 2014 على 69 مقعداً، نجده يمثل تراجعاً ملموساً بأكثر من النصف عن نتائج 2011.
والنتيجة المدهشة والفارقة ما حصل عليها حزب «قلب تونس» بين (33 - 35) وهو حزب حديث تشكل مؤخراً منذ أشهر قليلة، مقارنة بحركة «النهضة» التي تأسست منذ أكثر من عدة عقود، وتبوأ مؤسسه نبيل القروي المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وحقق كل هذه النتائج وهو قابع في السجن! إنها سابقة فريدة في تونس، وربما في العالم.
والنتيجة الغريبة والمدهشة أيضاً ما حصل عليه حزب حركة «نداء تونس» للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي لم يفز إلا بمقعد واحد فقط، بينما حصل في انتخابات 2014 على 86 مقعداً، متصدراً بذلك على حركة «النهضة» التي نالت في ذلك العام 69 مقعداً! هل هذا يعكس جانباً من هشاشة الأحزاب التي ترتبط برئيس الدولة، وعند خروجه من السلطة يفقد شعبيته، أو يتم حله؟ كما حدث عند وصول الرئيس أنور السادات إلى السلطة، قام بحل «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وأسس «الحزب الوطني الديمقراطي» في عام 1978.
والأمر الآخر اللافت للنظر، تراجع إقبال الناخبين في نسبة المشاركة من 69 في المائة في الانتخابات الماضية إلى 41.3 في المائة، مما يفسر عزوفهم عن المشاركة حسب رأي البعض، أو نتيجة عدد دورات الانتخابات التي شهدتها تونس في الفترة الأخيرة، من انتخابات البلدية إلى الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والآن الانتخابات التشريعية.
قد يكون أحد الأسباب الرئيسية في عزوف التونسيين عن المشاركة في الانتخابات التشريعية، يعود إلى النظام الانتخابي، والتمثيل النسبي الذي تبنته تونس، كما سنوضحه بعد قليل.
فبسبب هذا النظام الانتخابي، ترشح نحو 15 ألف مرشح مقسمين على 1592 قائمة مختلفة، بين حزبية وائتلافية ومستقلة، لانتخاب 217 عضواً لمجلس نواب الشعب، يتوجب انتخابهم عبر 3446 من المكاتب المخصصة للاقتراع.
ما علاقة النظام الانتخابي بتشتيت وتجزئة أصوات الناخبين، وبظهور أعداد كبيرة من الأحزاب السياسية التي بلغت بعد الثورة التونسية زهاء 204 أحزاب؟
الأستاذ الفقيه موريس دي فيرجيه، في جامعة باريس، وضع مبكراً منذ ثلاثينات القرن الماضي، ما أصبح يسمى «قوانين دي فيرجيه» (les lois DUVERGER) حول العلاقة بين قواعد النظام الانتخابي والأحزاب.
فالاقتراع بدورة واحدة يساهم في ظهور نظام الحزبين، والنظام الانتخابي بدورتين والتمثيل النسبي يؤديان إلى تعدد الأحزاب، وهذا النموذج الأخير هو ما تم اختياره بعد الثورة التونسية.
فقد اتفق التونسيون على أهمية صياغة دستور جديد يستخلص عبر ودروس المرحلة السابقة، لتأسيس نظام ديمقراطي جديد، يحول دون سيطرة السلطة التنفيذية على مقاليد الدولة على حساب السلطة التشريعية؛ ولهذا اختاروا انتخاب مجلس وطني تأسيسي لصياغة دستور جديد، ورأوا أن أفضل طريقة أن تعبر تشكيلة المجلس الوطني الجديد عن تمثيل كافة اتجاهات الرأي العام والأحزاب السياسية، بتبني نظام التمثيل النسبي.
وقد توصل المجلس الوطني التأسيسي الذي تم انتخابه في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، والذي كانت الأغلبية الممثلة فيه من حركة «النهضة» بـ89 مقعداً، إلى تبني دستور 2014، الذي يمثل قطيعة مع دستور 1959 السائد في فترة ما قبل الثورة.
فإذا كانت فترة ما بعد الثورة استدعت اختيار نظام التمثيل النسبي للأسباب التي ذكرناها، فإن مرحلة حكم الرئيس الباجي السبسي أظهرت عوار الدستور الجديد والنظام الانتخابي،
فقد أخذ الدستور الجديد بنظام يجمع بين بعض آليات النظام البرلماني من ناحية إرساء مبدأ ثنائية السلطة التنفيذية؛ حيث يتولى رئيس الدولة السلطة التنفيذية المكونة منه ومن الحكومة التي تتكون من رئيس الحكومة والوزراء، وبعض آليات النظام الرئاسي، بجعل الدستور انتخاب الرئيس مباشرة من جانب الشعب، مما يجعل شرعيته مستمدة من الشعب مباشرة وليس من قبل البرلمان.
ولكن بسبب الظروف التي أعقبت الثورة التونسية، مالت الاختصاصات إلى مجلس نواب الشعب على حساب رئيس الدولة، ليس ذلك فحسب؛ بل أيضاً في علاقته برئيس الحكومة التي طالما واجهها الرئيس الراحل السبسي.
ونشير هنا إلى بعض القيود الدستورية التي وضعت في مجال اختيار رئيس الدولة رئيس الحكومة، فإذا كان مفهوماً وفق المادة 89 من الدستور، أن يكلف رئيس الجمهورية في أسبوع من إعلان النتائج الانتخابية، مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي «المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب»، فإنه من غير المفهوم وفق نص المادة 97 أنه في حالة موافقة المجلس على سحب الثقة من الحكومة، يرشح المجلس بديلاً لرئيس الحكومة يصادق على ترشيحه في التصويت نفسه، ويتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية. وقضت أيضاً المادة 99 بأن لرئيس الجمهورية الحق في أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، مرتين على الأكثر خلال كامل المدة الرئاسية (5 سنوات) ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة، فإن لم يجدد المجلس الثقة في الحكومة اعتبرت مستقيلة، وعندئذ يكلف الرئيس الشخصية الأقدر لتكوين الحكومة... وفي حالة عدم حصولها على ثقة نواب مجلس الشعب، فلرئيس الجمهورية الحق في حل المجلس، والدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.
تعمدنا استعراض تلك النصوص الدستورية للتدليل على المصاعب والتعقيدات التي ستواجه رئيس الدولة، وصعوبة المرحلة الراهنة التي أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية.
فإذا كانت حركة «النهضة» هي التي تصدرت النتائج في المركز الأول؛ لكنها كما يبدو ستواجهها صعوبات في تشكيل ائتلاف حكومي مع بقية الأحزاب السياسية، من جهة بسبب تحميل البعض لها مسؤوليات فشل مرحلة الحكم السابق، والرفض المعلن على الأقل من بعض الأحزاب للدخول في ائتلاف حكومي مع «النهضة» وأولهم حزب «قلب تونس» لنبيل القروي.
من الواضح أن النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي هو السبب الرئيسي في إفراز هذا العدد الهائل من الأحزاب الصغيرة، مما يصعب تشكيل حكومة متجانسة، الأمر الذي تدعو الحاجة إلى تغييره وتبني دستور جديد، وهو واحد من التحديات التي ستواجه الرئيس التونسي القادم.