الأمير عبدالعزيز بن سلمان: نفط الخليج سيبقى المؤثر في أسواق الطاقة

10:30

2014-09-20

الشروق العربيالرياض- وصف الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير البترول والثروة المعدنية، في المملكة العربية السعودية، الادعاءات القائلة إنّ انخفاض أسعار البترول سيتسبب في انهيار اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بأنها ادعاءات مُضلِّلة. وأكد على أن استقرار أمن دول مجلس التعاون شرط أساسي لاستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وجاءت تصريحات الأمير عبدالعزيز بن سلمان ضمن مداخلته خلال مؤتمر الخليج العربي والتحديات الإقليمية، الذي نظّمه معهد الدراسات الدبلوماسية-مركز الخليج للأبحاث، بالرياض.

يشهدُ العالم اليوم تحولات أسرعُ من أي وقت مضى، حيث تواصل مؤثرات عديدة العمل على رسم المشهد المحيط بنا على المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والطاقة. ولا يزال تعافي الاقتصاد العالمي هشّا، نتيجة ظهور مصادر جديدة للمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في أنحاء عدّة من العالم، كما لا زال المشهد الجيوسياسي والعلاقات الدولية والإقليمية في حراك مستمر، مما أدّى إلى ظهور أنماط جديدة من العلاقات الاقتصادية تزامنت مع انتقالِ نمو الثروات إلى الاقتصادات الناشئة، واستمرار تدفّق تجارة الطاقة في التكيّف مع ظهور أنماط جديدة للعرض والطلب في قطاع الطاقة.

في أثناء هذه التحولات على الساحة العالمية، ثمّة تساؤلات عديدة تُطرحُ حول الدور المستقبلي لدول مجلس التعاون الخليجي، وموقعها من النظام العالمي في مجالات السياسية والاقتصاد والطاقة.

ويتوقع بعض المراقبين مستقبلا بالغ الغموض لهذه المنطقة، ويجادل هؤلاء المراقبون بأن التأثير الناشئ عن التطورات الحالية لقطاع الطاقة بالولايات المتحدة، سيكون له أثر واضح يؤدي إلى تحوّلات مهمة ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل تمتد آثارها إلى بقية أنحاء العالم. ويترتّب عليها تراجع الدور المهيمن الذي مارسته المملكة العربية السعودية وغيرها من منتجي الطاقة بالخليج في أسواق الطاقة العالمية. ويُحذّر هؤلاء المراقبون من أنّ التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الناتجة من هذه التحوّلات، قد تكون جسيمة.

تأتي هذه التوقعات غير مفاجئة للمملكة العربية السعودية، في أوقات بالغة الغموض وسريعة التحوّل، فإنّ ظهور مثل هذه التوقعات المتشائمة، هو أمرٌ متوقّع. ولكن، كما حدث في الماضي، سينقض المستقبل هذه التوقعات.

 

كيف سيكون الطلب على البترول؟

 

 

لا شكّ أن العولمة والتصنيع والتحضّر والتطوّر السريع -المعتمدة على الطاقة- أخرجت مئات الملايين من البشر من الفقر، وأوجدت طبقة متوسطة كبيرة في بلدان الأسواق الناشئة. ففي آسيا وحدها يمكن اعتبار 525 مليون نسمة كطبقة متوسطة وهو رقم يتخطى مجموع سكان الاتحاد الأوروبي. ويمكن القول إن أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تشكيل أسواق الطاقة طوال العقود الثلاثة الأخيرة، هو نمو الطلب على الطاقة من خارج دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فبين عامي 1990 و2013، ارتفع استهلاك البترول في الدول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من نحو 25 مليون برميل يوميا إلى 45.7 مليون برميل يوميا؛ أي بزيادة تفوق 20 مليون برميل يوميا. في الفترة نفسها، لم تتجاوز زيادة الطلب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) 3.8 مليون برميل يوميا.

 

إنه من المتوقع نمو حجم الطبقة المتوسطة في العالم خلال العقدين القادمين من المستوى الراهن 1.8 مليار نسمة إلى 3.2 مليار نسمة في 2020، وإلى 4.9 مليار نسمة في 2030، ومن المتوقع أن يكون معظم هذا النمو في دول آسيا. وخلافا لما في دول الغرب، ستكون غالبية الطبقة المتوسطة الناشئة في آسيا، شبابا يتطلّعون لزيادة استهلاكهم. وسيؤدي ارتفاع مستويات دخل التركيبة السكانية الشابّة إلى زيادة قوية في الطلب على البترول، حتى بعد الأخذ في الاعتبار ترشيد الاستهلاك واستخدام بدائل للوقود الأحفوري في قطاع النقل. وبالنسبة إلى استهلاك البترول والوقود السائل، حتى بعض السيناريوهات المتشائمة، تتوقع زيادة في الطلب تقارب 20 مليون برميل يوميا بحلول عام 2035. وفي حين أنه من المتوقع أن يستمر الطلب على البترول في اتجاهه التصاعدي، يتبيّن أنّ زيادة العرض أصبحت أكثر تحديا وأعلى تكلفة. فقبل بضع سنوات، هيمنت فكرة المتحمّسين لنظرية ذروة النفط، المصرّة على أن الإنتاج العالمي للبترول تخطّى مستوى الذروة.

 

أما اليوم، انقلبت تلك الفكرة رأسا على عقب، واستُبدلت توقعات الذروة بتوقعات الوفرة. ويتوقع البعض احتمال توجّه السوق البترولية نحو صدمة في أسعار البترول، واصفين الوضع الراهن بأنه شديد الشبه بالفترة 1981-1986، التي بلغت ذروتها بانهيار شديد في أسعار البترول عام 1986، وقد أسهم تطوير موارد الزيت الصخري في الولايات المتحدة إلى حد كبير في هذا التحوّل في الرؤى.

لكنّ هذه الرؤية حول وفرة البترول، لا تتوافق كليا مع البيانات. ففي العام 2002، بلغ مجموع الإنتاج من خارج دول أوبك، باستثناء دول الاتحاد السوفياتي سابقا، نحو 36 مليون برميل يوميا. وفي العام 2013، بقي مجموع الإنتاج من تلك الدول عند نفس المستوى.

بعبارة أخرى، طوال العقد الماضي، لم يرتفع مستوى الإنتاج من خارج دول أوبك باستثناء دول الاتحاد السوفياتي سابقا، ما يعكس حقيقة أن الاكتشافات البترولية الجديدة وتطوير موارد جديدة كانت بالكاد كافية لتعويض معدلات الانخفاض في الحقول القائمة، التي كانت بالغة الحدّة في بعض الدول؛ فعلى سبيل المثال، انخفض إنتاج المكسيك من 3.8 مليون برميل يوميا في 2004 إلى 2.8 مليون برميل يوميا في الوقت الراهن، كما انخفض إنتاج المملكة المتحدة من 2.9 مليون برميل يوميا في ذروة إنتاجها عام 1999 إلى 866 ألف برميل يوميا في الوقت الراهن.

ومع توقّع انخفاض المعدلات العالمية بنسبة 5 بالمئة إلى 6 بالمئة، وتحتاج صناعة البترول العالمية إلى إضافة إنتاج سنوي جديد يتراوح بين 4.5 و5.5 مليون برميل يوميا، لتعويض الخسائر الناجمة عن انخفاض معدلات الإنتاج الطبيعية.

 

كيف يمكن تحقيق التوازن؟

 

على الرغم من التواضع الشديد لنتائج التنقيب والحفر طوال العقد الماضي، ومعدل مخيّب للآمال على صعيد الاكتشافات البترولية في الدول خارج منظمة أوبك، لا يزال البعض يتحدّث عن إمدادات بترول وفيرة وأسعار بترول ضعيفة في الأجل الطويل، غير مدركين أنّه حتى في ظل هذه الأسعار القياسية للبترول التي تخطى معدلها 100 دولار للبرميل خلال السنوات الثلاث الماضية، عمدت الشركات البترولية العالمية إلى خفض ميزانيات التنقيب سعيا لتخفيض التكاليف.

والأسوأ من ذلك، أنّ النفقات الرأسمالية للتنقيب والإنتاج ارتفعت إلى حدّ كبير خلال السنوات العشر الماضية. فالاكتشافات الجديدة أقل حجما ومعدلات انخفاض الحقول المنتجة حاليا تضاعفت بحلول فترة اكتمال استهلاك الأصول والحاجة إلى إعادة تطويرها، والشركات زادت من نفقاتها في مجال الصيانة.

أدى ذلك إلى البحث عن مكامن جديدة للبترول بكلفة أعلى للتعويض عن النقص في مناطق أخرى، ما نتج عنه ارتفاع في مستوى سعر التعادل، أي تعادل النفقات مع العوائد، لدى شركات البترول العالمية، التي تعاني من تراجع تدفقاتها النقدية الحرّة بمقدار النصف منذ عام 2005.

لذلك لم يكن مستغربا جراء ضعف أسعار البترول في الأسابيع الأخيرة، أن يحذّر بعض الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات البترول تعرّض المليارات من الاستثمارات البترولية لمخاطر تراجع أسعار البترول الخام. وتحدّث الرؤساء التنفيذيون صراحة عن اعتماد سعر 100 دولار للبرميل كمستوى سعر تعادل للنفقات مقابل العوائد، وأشاروا إلى أنّ اقتراب الأسعار من 100 دولار للبرميل، أصبح مصدر قلق مقارنة بالسنوات القليلة الماضية، حينما كانت تلك الأسعار تشكّل مصدر ارتياح.

 

يحتاج سوق البترول إلى سعر مرتفع لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، خصوصا مع زيادة الإنتاج من مصادر جديدة وأكثر صعوبة مثل الزيوت الرملية والصخرية والبحرية والزيوت المستخرجة من تحت طبقات الملح في المياه العميقة جدا.

وهذه المصادر الجديدة للبترول تساعد على وضع حد أدنى لأسعار البترول في الأجل الطويل. وكما أشار مؤخرا الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، المهندس خالد الفالح بأنّه “للاستفادة من هذه المصادر البترولية التي تزداد كلفة، يجب أن تكون أسعار البترول مرتفعة بما يكفي لجذب الاستثمارات المطلوبة.

أمّا الوجه الآخر للعملة نفسها، فهو أن الأسعار في الأجل الطويل ستحظى بدعم التكلفة المرتفعة للبرميل الجديد المنتج من هذه المصادر.

لقد أظهرت السوق البترولية إشارات للتحديات المقبلة بخصوص التكاليف المتزايدة، والنقص في القوى العاملة، وتقلّص مناطق تواجد البترول الرخيص والسهل. وبينما شهدت الأسعار الفورية تراجعا في الأسابيع الأخيرة، فإنّ أسعار بترول “برنت” للأجل الطويل، تتداول حاليا بأسعار أعلى من السنة الماضية.

إضافة إلى مصادر الإمداد الأكثر كلفة وصعوبة، تتوقع معظم المنظمات الدولية المزيد من الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط، خصوصا دول مجلس التعاون الخليجي والعراق. ففي النشرة الأخيرة من “تقرير الاستثمار العالمي في مجال الطاقة “World Energy Investment Outlook” ، تشير وكالة الطاقة الدولية ( IEA) إلى ضرورة زيادة الاستثمار في قطاع البترول في منطقة الشرق الأوسط، لتعويض الانخفاض في مناطق أخرى من العالم. وفي حال لم تنجح دول الشرق الأوسط في زيادة الاستثمار، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ترتفع أسعار البترول بنحو 15 دولارا فوق مستوى الأسعار الراهنة بحلول عام 2025 بالأسعار الحقيقية.

وتشير هذه الأنماط من العرض والطلب إلى أن أساسيات أسواق الطاقة في الأجل الطويل لا تزال قوية. ففي السوق البترولية، وعلى غرار أي سوق أخرى، يمكن أن تؤثر عوامل مؤقتة، كالمخاوف بشأن تعافي الاقتصاد العالمي والأحداث الجيوسياسية والمضاربات في الأسواق المالية للسلع، ومنها البترول، على تقلبات السعر في الأجل القصير.

ولكن بالنسبة إلى منتج ومصدّر رئيس للبترول كالمملكة العربية السعودية، من مصلحتها في الأجل الطويل استقرار السوق، فإنّ التقلبات اليومية، والأسبوعية أو حتى الشهرية، غير مهمة ولا تتعدى أن تكون مصدر ضوضاء حول اتجاه ثابت. عوضا عن ذلك، يرتكز اهتمام المملكة العربية السعودية على أساسيات السوق في الأجلين المتوسط والطويل، خاصة أنّ المملكة نجحت طوال السنوات القليلة الماضية في زيادة مرونتها الاقتصادية أمام الضعف المؤقت في السوق البترولية نتيجة لسياساتها المالية والنقدية الحصيفة.

 

هل يمثل الزيت الصخري تهديدا؟

 

ستواصل دول مجلس التعاون الخليجي أداء دور مركزي في ظل هذا النظام المركّب للطاقة؛ أمّا الآراء القائلة إنّ الزيت الصخري في الولايات المتحدة سوف يؤدي إلى تراجع الدور الهام الذي تؤديه المملكة العربية السعودية، وغيرها من المنتجين في دول الخليج في أسواق الطاقة العالمية خلال القرن الماضي، ليست إلا آراء مضللة.

 

فبالإضافة إلى حجم احتياطاتها وإنتاجها، يوجد عامل مفصلي يميّز المملكة العربية السعودية، يتمثّل بأنها الدولة الوحيدة التي تتمتع بطاقة إنتاجية فائضة قابلة للاستخدام في حال انقطاع الإمدادات نتيجة عوامل جيوسياسية أو فنية، وهو ما حدث كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث عمدت المملكة العربية السعودية إلى استخدام فائض طاقتها الإنتاجية، لتعويض نقص العرض، مما أدى إلى استقرار أسعار البترول.

وبين عامي 2011 و2013 أشارت التقديرات إلى أنّ الأسواق فقدت أكثر من 1.6 مليار برميل من إنتاج البترول نتيجة انقطاع الإمدادات، وبادر المنتجون في دول الخليج إلى استخدام فائض طاقتهم الإنتاجية، لتعويض نقص العرض والحيلولة دون الارتفاع السريع والمبالغ فيه لأسعار البترول. وقد ارتفع الإنتاج المشترك للمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة من حوالي 14 مليون برميل يوميا، قبل بداية الربيع العربي، إلى أكثر من 16 مليون برميل يوميا خلال معظم السنوات الثلاث الماضية.

لا تقتصر أهمية الطاقة الإنتاجية الفائضة على فترات انقطاع الإمدادات، فخلال الفترة 2002-2007، ارتفع الطلب العالمي على البترول بوتيرة سريعة جدا، نتيجة ارتفاع النمو الاقتصادي في آسيا. وخلال نفس الفترة، ارتفع بحدة الطلب العالمي على البترول بـ8 ملايين برميل يوميا، ونجحت المملكة العربية السعودية والمنتجون في دول مجلس التعاون الخليجي بزيادة الإنتاج لتلبية ارتفاع الطلب العالمي على البترول.

ولولا هذه القدرة على زيادة الإنتاج خلال فترة قصيرة نسبيا، لتصاعدت الأسعار لتحقيق توازن السوق، مما كان سيؤدي إلى زيادة التضخم العالمي، وإلى تراجع نمو الاقتصاد العالمي. لذا، تُعد تلك الطاقة الإنتاجية الفائضة، بمثابة تأمين ضد التقلّبات غير المتوقعة في أوضاع سوق البترول العالمية، وأداة رئيسة للمحافظة على استقرار كل من أسواق البترول والاقتصاد العالمي.

كما تنتشر وجهة نظر أخرى على نطاق واسع، تفيد بأن تراجع اعتماد الولايات المتحدة على واردات البترول من المنطقة، سيؤدي إلى تراجع اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط وعلاقاتها المتميّزة مع دول مجلس التعاون الخليجي.

تاريخيا، كان اعتماد الولايات المتحدة على الواردات من المملكة العربية السعودية متواضعا، ففي عام 1977 بلغت واردات الولايات المتحدة من البترول الخام من المملكة معدل 1.3 مليون برميل يوميا، ثم ارتفعت إلى 1.7 مليون برميل يوميا في عام 1991، إبّان حرب الخليج الأولى، لتعود إلى 1.3 مليون برميل يوميا في عام 2013.

كما بلغ معدل واردات الولايات المتحدة من البترول الخام من دولة الكويت عام 2013 حوالي 300 ألف برميل يوميا، وهذه تعتبر أكبر كمية تستورها الولايات المتحدة من الكويت خلال العقدين الماضيين. وبالنسبة إلى منتجي دول المجلس الأخرى كالإمارات العربية المتحدة وعمان وقطر كانت صادراتها البترولية إلى الولايات المتحدة تعادل الصفر تقريبا خلال العقود الثلاثة الماضية.

 

تدل هذه الاتجاهات على أنّ التغيرات في صادرات المنتجين في دول الخليج إلى الولايات المتحدة، تمليها ظروف السوق والاعتبارات التجارية. وسواء استوردت الولايات المتحدة البترول الخام من دول مجلس التعاون الخليجي أم لم تستورد، فهي مسألة قليلة الأهمية بالنسبة إلى ديناميكية أسواق البترول العالمية، ذلك أن الخامات البترولية قابلة للاستبدال بخامات أخرى مشابهة، فالبترول الذي لا يمكن بيعه للولايات المتحدة سوف يجد طريقه إلى أسواق أكثر حاجة إليه.

علاوة على ذلك، فإن أسواق البترول العالمية مترابطة إلى حدّ كبير، وأيّ صدمة على مستوى العرض في أي جزء من العالم، من شأنه أن يؤثر على أسعار البترول في كافة أنحاء العالم. وبما أن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي من البترول الخام، فلا يمكنها أن تنأى بنفسها عن مثل تلك التقلبات في إمدادات البترول العالمية.

انطلاقا من القناعة الثابتة للمملكة بقوة أساسيات سوق الطاقة في الأجل الطويل، ورؤيتها بأنّ المنطقة ستؤدي دورا أساسيا في تلبية نمو الطلب العالمي المتوقع على الطاقة، فإنّ حكومات دول مجلس التعاون تسعى إلى بذل كافة الجهود الممكنة للحفاظ على موقعها وتحسينه في النظام العالمي في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة.

ومن أجل المحافظة على قدرتها التصديرية، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي بجدّ على إعداد برامج جديدة لرفع كفاءة استهلاك الطاقة. وكما ذكرتُ مؤخرا في مقال منشور في مجلة “منتدى أوكسفورد للطاقة” فإنّه “رغم أنّ هذا النمو في الطلب يُعزى بصورة أساسية إلى النمو الصناعي وتنامي الرفاهية الاقتصادية في المملكة، فإن جزءا كبيرا منه نتج عن عدم الكفاءة في الاستهلاك، وأدّى إلى هدر الطاقة مما يجعل هذا النمو المتسارع أمرا غير قابل للاستدامة”.

وتشهد المملكة بالفعل مجهودات لخفض كثافة الطاقة في النشاط الاقتصادي، من خلال تطبيق برامج لرفع كفاءة الطاقة. وبالإضافة إلى تحسين كفاءة الطاقة، تعمل دول المنطقة على تنويع استخداماتها لمصادر الطاقة. إذ أنّ معظم الطلب في دول الخليج تتم تلبيته حتى الآن من المصدرين الرئيسيين لموارد الطاقة، هما البترول الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي، وتبذل جهود كثيرة لزيادة دور الطاقة المتجددة والطاقة النووية في مزيج الطاقة في دول المجلس. وهذه الجهود لرفع كفاءة استهلاك الطاقة وتنويع مصادرها، ينبغي النظر إليها باعتبارها تأكيدا لقناعة المملكة بقوة أساسيات أسواق البترول في الأجل الطويل، ما يمكّن المنطقة من المحافظة على قدرتها التصديرية.

ومع أنّ روابط دول مجلس التعاون الخليجي مع الاقتصاد العالمي تشكّلت عن طريق تدفقات تجارة البترول الخام، إلا أنّ طبيعة تلك الروابط مستمرة في التطور، مع سعي بعض دول المنطقة إلى تحويل قسم أكبر من نفطها الخام إلى منتجات مكررة ومنتجات بتروكيميائية، لتنويع قاعدتها الاقتصادية وإيراداتها.

ويعتبر انتشار المجمّعات الصناعية والتجمعات حول مصانع البتروكيميائيات، جزءا من هذه الاستراتيجية. كمشروعات التجمعات الصناعية السعودية، مثل مشروعات السيارات والطاقة الشمسية والبلاستيك والتغليف، والأجهزة المنزلية، وتُشير بوضوح إلى رغبة الحكومات الإقليمية، في إنشاء الإطار المناسب لتعزيز التكامل للوصول للمنتجات النهائية، وتطوير قاعدة صناعية، تضم كافّة الأنشطة المساندة، بما في ذلك التدريب ومراكز البحوث ومختبرات البحث والتطوير. فضلا عن عنصر مهم آخر يتعلّق بدمج المصافي والعمليات البتروكيميائية، وهو اتجاه اكتسبَ زخما في السنوات الأخيرة، كما يتضح من إطلاق مشروعات عملاقة جديدة مثل “صدارة” و”بترو رابغ” و”ياسرف” و”ساتروب” و”جيزان”.

كما تمتلك المملكة العربية السعودية موارد قيّمة أخرى غير البترول والغاز، فقد حددت وزارة البترول والثروة المعدنية 1270 مصدرا للأحجار الكريمة، و1170 مصدرا للمعادن الأخرى، كما أصدرت أعدادا متزايدة من امتيازات التعدين والاستكشاف. كذلك، اتُخذت خطوات ملموسة في السنوات الأخيرة، لتشجيع مشاركة القطاع الخاص بشكل كبير في مجال تطوير قطاع التعدين، اشتملت هذه الخطوات على حوافز للاستثمار للشركات المحلية والأجنبية، وشركات خدمات المساندة، بهدف تطوير قطاع التعدين.

 

وتمَّ ضخّ استثمارات كبيرة في البنية التحتية الصناعية كمحطات توليد الكهرباء وإنتاج المياه ومرافق التنقية والتوزيع والطرق والاتصالات لدعم عمليات التعدين. ويشكّل استهلاك الطاقة جانبا مهمّا في عمليات استخراج المعادن ومعالجتها، وبالتالي فإنّ تنمية صناعة التعدين ستمكّن المملكة من زيادة القيمة المضافة المحلية من استغلالها لثرواتها الطبيعية.

إن استراتيجية المملكة العربية السعودية المزدوجة للتكامل الأفقي والرأسي في عمليات التكرير والبتروكيميائيات والتعدين ستساعد على تنويع قاعدتها الاقتصادية وزيادة الطلب المحلي المرشّد على مصادر الطلب على الطاقة، وبالتالي جعل اقتصادها أقلّ عرضة للتقلبات الدورية في أسواق الطاقة العالمية.

لا تتركز هذه الجهود فقط على قطاعات التعدين والطاقة والصناعات المكثفة للطاقة، فقد حسّنت المملكة العربية السعودية نظام الاستثمار لديها لجذب الاستثمار الأجنبي وتدفقات رأس المال بهدف تنويع اقتصادها بعيدا عن قطاع الطاقة.

وفقا لتقرير التنافسية العالمية (2015-2014 Global Competitiveness Report)، حلّت المملكة في المرتبة الثانية بين أكبر عشرين اقتصادا للأسواق الناشئة من حيث القدرة التنافسية. ونوّه التقرير ببعض نقاط القوة الرئيسية التي تتمتع بها المملكة؛ الأساسيات القوية للبلاد مدعومة باستقرار الاقتصاد الكلي والديون المنخفضة والفوائض الكبيرة للميزانية.

 

كما باشرت المملكة العربية السعودية الاستثمار في تطوير مشروعات كبيرة في مجال البنية التحتية لتحقق مكانة عالمية مرموقة في مجال النقل والخدمات اللوجستية. ويجري التخطيط لاستثمار 100 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، لتطوير البنية التحتية للنقل في المملكة بما في ذلك مرافق متعددة النماذج في المدن الاقتصادية، التي ستكون الأكبر والأكثر تقدما في المنطقة.

ويمكن اعتبار الأداء الأخير لسوق الأسهم السعودية بمثابة دليل على ما سبق ذكره، إذ تجاوز المؤشر العام للسوق حاجز 11000 نقطة ليصل إلى أعلى مستوياته منذ انهيار بنك "ليمان براذرز" في سبتمبر 2008، على الرغم من توافد سلسلة من الأخبار غير السارّة إقليميا، مما يعكس الثقة القوية في اقتصاد المملكة، ليس فقط من قبل المستثمرين المحليين بل أيضا من قبل المستثمرين الأجانب المستفيدين من زيادة انفتاح الاقتصاد السعودي وحرية الاستثمار فيه.

 

أي دور تعلبه دول الخليج؟

 

أدّت قوة اقتصادات دول المنطقة إلى احتلالها مكانة أكبر على الساحة الدولية، وبوجود أكثر من 10 صناديق سيادية، يبلغ إجمالي أصولها 1.7 تريليون دولار تحت إدارتها، أصبحت معه دول مجلس التعاون الخليجي من كبار الممولين الماليين في العالم، في وقت تعاني فيه العديد من الدول من العجز وتراكم الديون. وقد وفّرت هذه الاحتياطيات الكبيرة من العملة الأجنبية والأصول ملاءة مالية مهمّة ضد الضعف الطارئ في الأسواق البترولية. أمّا الادعاءات القائلة إنّ انخفاض أسعار البترول سيتسبب بانهيار اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، فليست إلا ادعاءات مُضلّلة على أقل تقدير، تتجاهل المرونة المتزايدة لدى اقتصادات دول المجلس.

كما تشكّل دول مجلس التعاون الخليجي سوقا استهلاكية مهمة. ففي عام 2013، بلغت قيمة وارداتها من السلع والخدمات نحو 711 مليار دولار، أي ما يتجاوز تقريبا ثلاثة أضعاف متوسط تلك الواردات خلال 2000-2008 الذي بلغ 240.8 مليار دولار. فمن حيث الغذاء وحده، سيبلغ إجمالي الإنفاق على واردات الغذاء ضعف مستواه الحالي، ليصل إلى 53.1 مليار دولار بحلول عام 2020. وقد ساهم التكامل المتزايد لدول مجلس التعاون الخليجي في النظام الاقتصادي العالمي من خلال التجارة والاستثمار والروابط المالية، بفسح المجال لتؤدي المنطقة دورا رئيسيا في إعادة التوازن للاقتصاد العالمي.

كما تؤدي دول الخليج دورا أساسيا من الناحيتين السياسية والاقتصادية، بالنسبة إلى بقية دول الشرق الأوسط. فخلال السنوات القليلة الماضية، قامت دول مجلس التعاون بأداء دور رئيسي في المحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة. وعندما فرضت الحكومات الغربية إجراءات تقشف وأعادت رسم سياساتها الخارجية، تاركة فراغا كبيرا في المنطقة، كثّفت دول مجلس التعاون مبادراتها السياسية وزادت مساعداتها الاقتصادية ودعمها المالي لشركائها الاستراتيجيين المتضررين في المنطقة.

 

وقد ساهم هذا الدعم الاقتصادي والسياسي بالنسبة إلى تلك الدول في تخفيف بعض الضغوط المالية الآنية، والمحافظة على أمنها السياسي والاجتماعي. إلا أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تدرك محدودية إمكانياتها، أخذا في الاعتبار التحديات الماثلة أمامها، وتقدّر أنّ أيّ جهد ناجح لاستقرار المنطقة، ينبغي أن يكون ضمن تعاون دولي واسع، ولو غاب دعم دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الماضية لكان من المحتمل أن يكون الوضع السياسي في الدول المتضررة في المنطقة أسوأ بكثير مما هو عليه راهنا.

 

أي مستقبل للطاقة الخليجية؟

 

إن دول مجلس التعاون الخليجي لن تفقد موقعها المتميّز على الساحتين الدولية والإقليمية وستستمر في أداء دور رئيسي في الساحات السياسية والاقتصادية والطاقة العالمية. إن أساسيات أسواق الطاقة ستبقى قوية، نظرا لتحول النشاط الاقتصادي العالمي وتدفق الطاقة بعيدا عن مراكز الاستهلاك التقليدية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى دول الاقتصادات الناشئة، وستمتلك دول مجلس التعاون الخليجي قدرات متعددة تتيح لها الاستفادة من هذه التحولات في النمو الاقتصادي والثروة.

إنّ الجهود والمبادرات العديدة -الهادفة إلى تنويع قاعدة الاقتصاد المحلي عن طريق التكامل الأفقي والرأسي للعمليات الصناعية ورفع كفاءة استهلاك الطاقة المحلي وتنويع مصادرها وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وفتح الاقتصاد للاستثمار الأجنبي- التي يجري تنفيذها تعزز مركز دول مجلس التعاون الخليجي في الاقتصاد العالمي تجعل الإقليم أكثر ازدهارا، وازدهار دول مجلس التعاون الخليجي يسهم بشكل إيجابي في الاقتصاد العالمي، ويوفّر فرصا اقتصادية كثيرة لشركائها. كما أن استقرار دول مجلس التعاون الخليجي وأمنها، يُعدان شرطا أساسيا لاستقرار أسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي، ولأمن حلفائها الدوليين والإقليميين.