إسرائيل بين بيني وبيبي

23:25

2019-09-17

رجب أبو سرية

دبي - الشروق العربي - حتى لو أن حزب كاحول لافان، أي أزرق_أبيض، تفوق على حزب الليكود، وتم تكليف رأس قائمته الانتخابية، بنيامين غانتس بتشكيل الحكومة، فإن حظوظ الحزب والرجل تبدو قليلة جدا للنجاح في تشكيل تلك الحكومة، مع أنه ليس هناك فارق بين بيني وبيبي، في الاسم الأول، وإن كان كلاهما يحمل اسم بنيامين، إلا أن الأول يخاطب من باب التحبب ببيني فيما الثاني كان يخاطب في بداية توليه رئاسة الحكومة قبل عقدين ببيبي.
لكن دولة إسرائيل تتأرجح رغم ذلك بين الرجلين منذ بداية هذا العام وحتى الآن، وربما يطول الأمر إلى ما بعد إعلان نتائج الانتخابات التي تجري اليوم لاختيار أعضاء الكنيست الثاني والعشرين، وتشكيل الحكومة الجديدة بناء على تلك النتائج، والتي بالطبع تشير إلى عدة احتمالات، لا تخرج معظمها أو جلها عن أن رئيس الحكومة بالتحديد سيكون أحد أثنين لا ثالث لهما، وهما إما بنيامين (بيبي) نتنياهو، أو بنيامين (بيني) غانتس.
وقبل الخوض في تشكيل الحكومة ومن الذي سيرأسها، أو من هو صاحب الحظ الأوفر في ذلك، لابد من الإشارة إلى أن نظام الحكم في إسرائيل هو نظام برلماني ديمقراطي جدا من حيث طبيعة وجوهر النظام الانتخابي، فإسرائيل كلها دائرة انتخابية واحدة، ونظام الحكم برلماني بالكامل، وليس هنالك من صلاحيات سياسية تذكر لرئيس الدولة، وهو منصب بروتوكولي تماما، وصحيح أن تداول الحكم ربما بسبب كون إسرائيل دولة حديثة لا تقاليد عريقة سياسية فيها، غير معمول به، بل إن الحزبين الكبيرين ورث أحدهما الحكم عن الآخر، وهما العمل ومن ثم الليكود، لكنْ دائما هناك حزبان كبيران، يتواجهان كل مرة، ما يسمح للأحزاب الصغيرة والتي عادة ما تستند إلى جمهور محدد أكثر راديكالية، إن كان في المعتقد الديني أو السياسي، لأن تؤثر على سياسات الحكومة بأكبر من حجمها أو وزنها الانتخابي.
شهدت إسرائيل "استقرارا" لجهة مواصلة الليكود اليميني الحكم خلال العقود الأربعة الماضية، لكنه في البداية كثيرا ما تحالف مع أحزاب صغيرة ابتزته إلى أن استقر التوازن لصالح اليمين، رغم جمعه للمتدينين والليبراليين معا، إلى أن فجر هذه العلاقة حزب "إسرائيل بيتنا" في ما بعد انتخابات الكنيست السابقة.
وبالنظر إلى نتائج انتخابات الدورتين السابقتين واستطلاعات الرأي ما قبل هذه الانتخابات، يلاحظ بأن تجمع اليمين الليبرالي واليمين المتطرف مع المتدينين الحريديم يتفوق على الوسط واليسار بنحو ما بين 5_7 مقاعد، لذا في ظل توافق هذه الأطراف لم تكن هناك مشكلة، لكن المشكلة حدثت حين ظفر اليمين والمتدينون بستين مقعدا فقط دون ليبرمان، في انتخابات الكنيست الواحد والعشرين، فيما كان ظفر بأغلبية واحد وستين في الكنيست العشرين فشكل نتنياهو الحكومة دون ليبرمان أولا ومن ثم التحق به إسرائيل بيتنا.
بعد أن أعلن ليبرمان وحزبه الشقاق ورفض المشاركة مع الحريديم، باتت المعركة على هذا المقعد، لذا فإن احد السيناريوهات هو أن ينجح اليمين دون ليبرمان في الظفر بأغلبية واحد وستين، وبالتالي ينجح نتنياهو في رهانه على حل الكنيست، والسيناريو الثاني هو أن يظفر اليمين والحريديم بعدد مقاعد دون الواحد وستين، فلو كان العدد ستين فهذا يعني بأن الخصم سيكون عاجزاً أيضا عن تشكيل الحكومة، لكن إن فاز الخصم بأغلبية واحد وستين فما أكثر، فهذا لا يعني تلقائياً بأنه سينجح في تشكيل الحكومة، بل إن مهمته ستكون أصعب، ذلك أنه من الصعب مشاركة العرب مع ليبرمان في حكومة برئاسة غانتس.
إذاً الخيار الحقيقي هو بين أن يفوز اليمين دون ليبرمان بأغلبية واحد وستين فما أكثر، غير ذلك لا مفر من شلل أو الذهاب لخيار ليبرمان بتشكيل حكومة موسعة من الحزبين الكبيرين، وبعد ذلك هما ليسا بحاجة للأحزاب الأخرى، إلا في حالة توافق الحزبين الكبيرين على ضم من يرغبان في ضمه، وهنا ربما كان صعبا أن يقبل الليكود تشكيل حكومة مع غانتس تضم ليبرمان، نظرا للخصومة التي حدثت، وربما لاحقا تتم تسوية الأمر.
المعركة في أحد جوانبها المهمة إذاً هي بين نتيناهو وليبرمان، فالليكود ورئيسه، أمامهما خيارات عديدة، أولها الفوز طبعا بأغلبية يمينية دون ليبرمان، ثم بعد ذلك التحكم في مصير الدولة. وحتى لو قبلوا شراكة ازرق_أبيض، فسيضعون شروطهم التي ستظهر في الخطوط العامة لبرنامج الحكومة.
التفاصيل الصغيرة هي التي حكمت هذه الانتخابات، التي تجري كما لو كانت "تكميلية" للسابقة، بهدف زيادة مقاعد اليمين مقعدا واحدا، لذا فحتى تصريحات نتنياهو الأخيرة بعدم استبعاد وجود وزير عربي، تبدو محاولة لإغراء الناخبين العرب بالتصويت لليكود، أو حتى مقدمة لإغراء واحد من نواب المشتركة، باستثناء احمد الطيبي وأيمن عودة، للانشقاق لاحقا والانضمام لحكومة الليكود، وهذا ينطبق على أي نائب من أية قائمة أخرى.
من ينتصر في نهاية الأمر، هذا هو السؤال الجوهري، هي سينجح نتنياهو أولا بالفوز بواحد وستين مقعدا فأكثر، وثانيا في اقتناص أي نائب من أية قائمة، أم أن ليبرمان سينجح في إخراج نتنياهو من الليكود، والتضحية به، لإخراج الدولة من الشلل، كل هذا يحدث واللعبة الإسرائيلية ما زالت داخل الملعب الإسرائيلي، أي ليس هناك تأثيرات مهمة من الخارج، فماذا لو أن مواجهة فلسطينية اندلعت ودخلت انتفاضة جديدة إلى داخل ذلك الملعب كما حدث في عام 1987، والتي ظهرت تأثيراتها على انتخابات عام 1992، ومن ثم في اتفاقات أوسلو، بالطبع حينها الأمور ستنقلب رأسا على عقب. على أي حال، رغم أن اليمين تكرس في إسرائيل وانتقل إلى أقصى حدود التطرف مع البيت اليهودي واليوم مع "عتسوما يهوديت" العنصري، وتحول بالدولة من الموقع الليبرالي إلى حدود الدولة الدينية الداعشية، إلا أن داخل إسرائيل كله مرتبط بالمعادلة الإقليمية وأول عناصرها هو الحالة الفلسطينية، وما أن تتغير الظروف حتى تقف إسرائيل على رأسها.