الإخوان بين الصعبانيات والعمليات الإرهابية

11:06

2019-08-30

جمال طه

دبي - الشروق العربي - جماعة الإخوان أعلنت فى الذكرى السادسة لإسقاط حكمها «٣٠ يونيو» تبنى توجه جديد يرتكز على محورى الفكر والحركة، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الواقع الجديد»، بعد وفاة مرسى، وبعض المراجعات الداخلية.. أهم عناصر هذا التوجه السماح للأعضاء، خاصة من الصف الثالث غير المعروفين، بالانخراط فى العمل السياسى من خلال الأحزاب والكيانات الأخرى، بما قد يساعد فى العودة الخفية إلى ساحة العمل السياسى.. وذلك عبء إضافى على صقور الأمن.

عناصر الإخوان المسجونون تنفيذًا لأحكام نهائية، أو على ذمة قضايا، أطلقوا مبادرة مطلع أبريل ٢٠١٩، سموها «الشباب المستقل»!، أعلنوا فيها «مراجعة» معتقداتهم، وطبيعة علاقتهم بالدولة، وطالبوا بتدخلها لانتشالهم من الأفكار المتطرفة، مؤكدين «فك الارتباط بجماعة الإخوان نتيجة فشلها فى توظيفهم بما يخدم الدين والوطن!، وتسببها فى سجنهم».. واستنكروا عدم امتلاك تصور للخروج من الأزمة، رغم مرور خمسة أعوام على «السقوط».. المبادرة إحياء لمقترحات قدموها منذ عام ونصف العام، لكنها اقترنت بخطة متكاملة ينفذها التنظيم حاليًا، تجمع بين تنشيط الحركة السياسية وتصعيد العمليات الإرهابية، متناسين أن مصر تدرك أن حالات الارتداد للعنف التى وقعت بين الذين استتابوا بالمراجعات تفوق كثيرًا من التزموا بها، وأن تجربة التعامل مع الإرهاب العقائدى تؤكد ضعف فرص التراجع عن الأفكار المتطرفة.

شباب الإخوان الهاربون لتركيا عرضوا مبادرة وقّع عليها ١٣٥٠ عضوًا بالداخل والخارج، تساءلوا فيها عن دور قادة التنظيم فى إنهاء أزمة الجماعة، ومصير سجنائها، وتدعوهم إلى المراجعة والبحث عن حل مع السلطة.. إبراهيم منير رد باستخفاف؛ اعتبرها «صناعة أمنية»!، وتعلل بأن التنظيم «لم يجبرهم على عضويته، كما لم يدخلهم السجون!»، داعيًا «أى شاب يريد الخروج والتبرؤ من الإخوان فليفعل».. منير، أكبر قيادة للتنظيم حاليًا، استخفافه وجّه للأعضاء إشعارات ندم، وبعث إلى من يفكر فى الانضمام برسالة تحذير بأنهم سيصبحون وقودًا لمعركة سياسية، وضحية سوء الاختيار.. والحقيقة أن التخلى عن الأعضاء جزء من أدبيات الجماعة؛ فعصام العريان عندما كان الشباب يعترضون على أى أمر كان يجاهر: «اللى مش عاجبه الوضع يروح فى ستين داهية»!.. ومرصد الفتاوى التكفيرية بدار الإفتاء أعاد التذكير بأن «تاريخ الجماعة شاهد على أنها تلقى بأفرادها للمهالك، ثم تتنصل منهم»، مُذَكّرًا بوصف حسن البنا الذين قاموا باغتيال المستشار أحمد الخازندار بأنهم «ليسوا إخوانًا، وليسوا مسلمين».

انطلاق المبادرة من قواعد التنظيم، وردود فعل القيادة، يعكسان حالة الانفصال وانعدام الثقة بينهما، والأهم والأخطر أنها تضمنت طلب العفو من الدولة مقابل سداد ٥٠٠٠ دولار لكل فرد، كبادرة حسن نية «ودعمًا لتعافى الاقتصاد المصرى»!، مكتفين بإبداء الرغبة فى مراجعة أفكارهم، والإعراب عن الاستعداد للتخلى عنها، وعن العنف، وعن الولاء للجماعة وقياداتها.. المبادرة مشبوهة، تستهدف الهروب من تحمل جزاء ما تم ارتكابه من جرائم عنف وإرهاب ضد الدولة ومرافقها والعناصر المسئولين عن إنفاذ القانون، من جيش وشرطة وقضاء، خاصة أنها لم تتضمن انتقادًا لفكر وأدبيات وإرهاب الجماعة، كما أنها تثير التساؤلات: كيف نتقبل أن الذين مارسوا الإرهاب ضد السياحة ومرافق الدولة، من كهرباء ومياه وطرق وكبارى.. إلخ، يتحولون فجأة إلى متبرعين لدعم تعافى اقتصادها؟!.. من أين يأتى هؤلاء الشباب بقيمة الدية بالعملة الصعبة ما لم يسددها التنظيم؟!، أم أن قطر ستسدد عنهم؟.. ثم كيف نطمئن مستقبلًا لهؤلاء وهم لم يظهروا أى بادرة ندم على جرائمهم السابقة؟!.. الإخوان يمارسون «التقية» فى أسوأ معانيها!.

المبادرات السابقة فى الواقع تمثل أحد وجهى الخطة التى تنفذها الإخوان منذ بداية الربع الثانى من العام الحالى، والوجه الآخر تمثله التحركات الميدانية المتزامنة التى يتصورون أنه من خلالها يمكن تحريك المياه الراكدة!.. بدأت بتنفيذ قيادات الإخوان بالخارج «خطة الأمل»، بالتنسيق مع القيادات المتعاطفين معهم، ممن يدعون تمثيلهم القوى السياسية المدنية، وتستهدف توحيد صفوفهم، وتوفير الدعم المالى من عوائد وأرباح الكيانات الاقتصادية التى لا تزال تابعة لهم، لاستهداف الدولة ومؤسساتها، بهدف إسقاطها.. التحقيقات كشفت المسارات غير الشرعية للتدفقات النقدية الواردة من الخارج، بالتعاون بين التنظيم وعناصره بالخارج، لتمويل التحركات المناهضة داخل مصر، وتنفيذ أعمال عنف وشغب ضد مؤسسات الدولة، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعى فى التحريض ضد الدولة.. القبض على الشبكة المتورطة، ثم تسلم عناصر خلية الكويت، وجّه ضربة قاصمة لمسارات التمويل.

الخلية العنقودية التى كشفتها قوات الأمن، بعد تنفيذ أحد عناصرها العملية الإرهابية بقصر العينى أمام معهد الأورام ٤ أغسطس، وأوقعت ٢٠ شهيدًا، و٤٧ جريحًا، تنتمى إلى حركة «حسم» الإرهابية التابعة للإخوان.. وكانت بداية لمخطط كبير يتضمن تنفيذ عدة عمليات إرهابية متزامنة قبيل عيد الأضحى المبارك، لكن نجاح الأمن فى تصفية ١٧ من عناصر الخلية فى الشروق والفيوم وحلوان أجهض المخطط.

العمليات الإرهابية تزايدت بسيناء مع بداية شهر يونيو الماضى، وتنوعت بين استهداف ارتكازات أمنية واختطاف مدنيين.. العلاقة بين الإخوان والتنظيمات الإرهابية بسيناء خاصة «داعش» و«القاعدة» أضحت من المسلمات، والأمر فى النهاية يحكمه التمويل، ولنتذكر أن جماعة «أنصار بيت المقدس» أعلنت مبايعتها «داعش»، ٢٠١٤، مقابل ١٠.٠٠٠ دولار تسلمها عادل حبارة.. «الإخوان» لا تزال قادرة على التمويل بعائدات استثماراتها فى العالم، والدعم القطرى والتركى، وهو ما تؤكده انتقادات شباب التنظيم لقياداته فى تركيا، بسبب إنفاقهم ببذخ على إحياء الذكرى السادسة لسقوط «رابعة والنهضة».. ومما يؤكد علاقة الإخوان بتلك الموجة الإرهابية أن نجاح العملية «سيناء ٢٠١٨» أدى إلى تراجع كبير للعمليات الموجهة ضد الجيش والشرطة، ما حقق حالة من الهدوء، وأعاد الحياة إلى طبيعتها.. لذلك استهدفت العمليات الإرهابية الأخيرة المدنيين من العمال والمحامين، مما أكد أن الإرهاب فيها مطلوب لذاته، بغض النظر عن الأهداف الموجهة لها.

الجماعة تعانى من انشطار عميق بين القيادة والقواعد، الأولى تدرك أن التنظيم يتداعى، ولا يشغلها سوى الاستيلاء على جزء من أرصدته الضخمة، وهى لم تعد لديها ما تقدمه سياسيًا سوى التذكير بصعبانيات فقدت تأثيرها.. أما القواعد فتواجه ظروفًا معيشية بالخارج بالغة الصعوبة، وهى تبحث عن أى مخرج يعيدها لمصر، دون حساب عن جرائمها.. المواجهة بين الطرفين مرشحة للتصاعد، واحتمالات الإطاحة برجال الحرس القديم مرجحة، مما يفرض المتابعة الدقيقة لما إذا كان ذلك سيؤدى إلى الفوضى، أو إلى الانهيار والتسليم، أم لتصاعد النزعة للعنف، على نحو ما تم عقب سقوط رابعة والنهضة، على أيدى المقبور محمد كمال.