«المتلون كالحرباء».. ليبرمان صانع الملوك هل يصبح رئيساً لوزراء إسرائيل؟

14:30

2019-08-23

دبي - الشروق العربي - أفيغدور ليبرمان سياسي إسرائيلي يغير مواقفه من أقصى اليمين لأقصى اليسار دون تردد، ويود أن يرسم لنفسه صورة الدب الروسي الشرس، فيما يراه الكثيرون أقرب للحرباء، فما هي طموحاته قبل الانتخابات التشريعية الشهر المقبل في إسرائيل؟

تناول تقرير لمجلة فورين بوليسي الأمريكية شخصية ليبرمان تحت عنوان: «تعرف على صانع الملوك الإسرائيلي الجديد»، للكاتب جوشوا ميتنيك، وهو صحفي مقيم في تل أبيب، بدأه بعبارة لافتة: «التحولات السياسية شائعة في إسرائيل، لكن يبدو أنَّ تحول أفيغدور ليبرمان قد لاقى نجاحاً باهراً».

تحول حليف القوميين المتشددين

إذ كان السياسي البالغ من العمر 61 عاماً، لعقود، أحد ثوابت الجناح اليميني الإسرائيلي وحليفاً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وقد صاغ ليبرمان، المهاجر من الاتحاد السوفيتي السابق، لنفسه صورة بوصفه أحد الصقور المتشددين والقوميين المتطرفين.

لكنَّ ليبرمان، في هذه الدورة الانتخابية، وهي الثانية للبلاد في غضون 6 أشهر، أعاد تصوير نفسه بوصفه مدافعاً عن علمانية إسرائيل وحائط صد ضد اليهود الأرثوذكس المتشددين، أو الحريديم، الذين لطالما سيطر ممثلوهم في السياسة على قضايا السياسية المتعلقة بالدين والدولة.

وقد ساعد هذا الموقف حزبه، إسرائيل بيتنا، على جذب أشخاص من خارج جمهوره التقليدي من الناخبين من الإسرائيليين المتحدثين بالروسية، بما في ذلك الناخبين من الوسط وحتى أولئك الذين يميلون إلى اليسار.

هل هو صانع الملوك؟

ولو ثبتت دقة استطلاعات الرأي، فمن المرجح أن يصير ليبرمان صانع ملوك بمجرد فرز الأصوات الشهر القادم، ما يسمح له بتحديد ما إذا كان نتنياهو سوف يحصل على فترة أخرى رئيساً للوزراء.

وكان ليبرمان قد قال إنَّه يعارض تشكيل ائتلاف ديني ويميني ضيق، وهو النوع من الائتلافات الذي يفضله نتنياهو (والنوع الذي كان يفضله ليبرمان نفسه في الماضي). وكان الرجلان قد تبادلا الانتقادات اللاذعة في الفترة التي سبقت انتخابات الـ17 من سبتمبر/أيلول، فيما أصبح أشرس منافسة في الانتخابات.

لكنَّ بعض المحللين يعتقدون أنَّ ما يريده ليبرمان حقاً أن يكون هو نفسه رئيساً للوزراء، وأنه قد اكتشف رسالة سياسية من شأنها أن تقربه من ذلك الهدف. 

علماني مع العلمانيين

وقال ليبرمان في فعالية انتخابية حديثة أمام حشد من الإسرائيليين العلمانيين في ضاحية من ضواحي تل أبيب: «نحن ضد الإكراه الديني. نؤمن بالعيش والسماح للآخرين بالعيش».

بدأ تحول ليبرمان بعد التصويت الأخير في شهر أبريل/نيسان، عندما رفض دخول ائتلاف نتنياهو، على الرغم من وجود أغلبية مريحة لأحزاب اليمين والأحزاب الدينية. واشتكى ليبرمان من أنَّ نتنياهو كان خاضعاً أكثر من اللازم لأحزاب الحريديم السياسية بشأن الإعفاءات من التجنيد لطلاب المعاهد الأرثوذكسية المتشددة -وهي قضية مثيرة للجدل في بلد يبدأ التجنيد الإجباري فيه من سن الـ18. وكذا، فقد رتب نتنياهو لحل البرلمان الجديد في شهر مايو/أيار ودعا إلى انتخابات جديدة، لعدم حيازته لأغلبية برلمانية وخوفاً من أن ينجح نائب آخر في تشكيل ائتلاف.

يهاجم نتنياهو المتشدد

ومنذ ذلك الحين، وليبرمان يشجب تحالف نتنياهو مع أحزاب الحريديم -إذ من المشهور إشارة رئيس الوزراء إليهم بوصفهم شركاءه «الطبيعيين». وتحذر إعلانات حملته من أنَّ إسرائيل في طور التحول إلى دولة دينية ويتهم نتنياهو بتقديم امتيازات للسياسيين الأرثوذكس المتطرفين بدلاً من إنفاق المال على الرفاهية الاجتماعية والمواصلات والبنية التحتية والرعاية الصحية.

في إسرائيل، تملي المجالس الحاخامية الأرثوذكسية المتشددة السياسة على شرائح كبيرة من الحياة الخاصة، بما في ذلك الزواج والطلاق والتحول إلى اليهودية والقوانين الغذائية والخدمات العامة في يوم السبت اليهودي المقدس. ويؤدي هذا إلى شعور بالمرارة من جانب الإسرائيليين العلمانيين، ومن بينهم مئات الآلاف من المتحدثين بالروسية الذين لا تعترف المؤسسة الحاخامية بيهوديتهم. 

وعلى الرغم من أنَّ ليبرمان قد امتنع عن الهجوم على نتنياهو بسبب اتهامات الفساد التي تلوح في الأفق -إذ كان ليبرمان، الوزير الحكومي السابق، قد واجه هو نفسه قضية بالكسب غير المشروع قبل بضع سنوات- فإنه استغل ضعفه السياسي قائلاً إنه سوف يدعم أي عضو برلماني يستطيع تشكيل ائتلاف علماني واسع للحكومة المقبلة. وقد اعتبر هذا التصريح بمثابة دعوة لحزب «أزرق أبيض»، الحزب المعارض البارز، فضلاً عن السياسيين المتمردين داخل حزب الليكود برئاسة نتنياهو، الذين ينتظرون وراثة مكانه.

توقعات بتحقيق مكاسب انتخابية

وقد آتت الرسالة أكلها؛ إذ توقع استطلاع للرأي أجرته قناة Channel 13 الإسرائيلية، بتاريخ الـ15 من شهر أغسطس/آب، حصول حزب ليبرمان على 11 مقعداً في البرلمان المؤلف من 120 عضواً، مقابل 5 مقاعد فاز بها في شهر أبريل/نيسان. وسوف تحصل كتلة نتنياهو من أحزاب اليمين والأحزاب الدينية على 56 مقعداً، وهو رقم أقل بكثير من الحد الأدنى للغالبية والبالغ 61 مقعداً. وسوف تحصل أحزاب يسار الوسط (بما في ذلك الأحزاب التي يهيمن عليها العرب) على 53 مقعداً.

وقال داني أيالون، العضو البرلماني السابق من حزب ليبرمان: «يعتمد ليبرمان على شيئين: المشاعر المناهضة لبيبي [لقب نتنياهو] والمشاعر المناهضة للحريديم، ولديه قدرة غريبة على قياس الرأي العام في أي وقت، ولهذا فإنَّ بإمكانه إعادة ابتكار نفسه في كل انتخابات».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – رويترز

ورد نتنياهو بالهجوم على ليبرمان باعتباره «يسارياً» وعقد العديد من الفعاليات البارزة للتودد إلى الناخبين الناطقين بالروسية. وفي غضون ذلك، اتهم زعيم حزب يهودية التوراة المتحد الأرثوذكسي المتشدد، ونائب وزير الصحة ياكوف ليتزمان، ليبرمان بالتحريض ضد اليهود المتدينين وضد التوراة. 

وكان ليبرمان، المولود في دولة مولدوفا الحالية، حارس بوابة نتنياهو السياسية عندما تولى رئيس الوزراء الإسرائيلي السلطة للمرة الأولى في التسعينيات. انفصل ليبرمان عن الليكود ليؤسس حزباً مستقلاً، حزب إسرائيل بيتنا، مستهدفاً جمهوراً من الناخبين قوامه مليون من المهاجرين المتحدثين بالروسية. وفي انتخابات عام 2013، خاض حزبا الليكود وإسرائيل بيتنا الانتخابات معاً، وأديا أداءً ضعيفاً، ثم انفصلا في النهاية.

مواقف استفزازية

ويشتهر ليبرمان ببعض المواقف الاستفزازية. فمنذ عقد مضى، قام بجولة من الخطابات على إحدى المنصات من أجل تجريد المواطنين العرب من المواطنة باعتبارهم غير مخلصين. ومنذ بضع سنوات، هدد باغتيال أحد كبار قادة حماس وقصف مصر.

وعبر إعادة تركيز رسالته من الانقسام حول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الصراع المرير في البلاد على الدين والدولة، فإنَّ ليبرمان يجذب الإسرائيليين في الوسط واليسار، بالإضافة إلى الجناح اليميني العلماني.

وقالت غايل تالشير، المحاضرة في العلوم السياسية بالجامعة العبرية: «ليبرمان أقرب بكثير إلى اليسار والوسط من الشركاء الطبيعيين لحكومة نتنياهو. ومن هذا المنظور، فقد غير المحور الأيديولوجي الذي يجري الصراع عليه في الانتخابات الإسرائيلية».

وقد كشفت هذه الخطوة أيضاً عن وجود خلاف يجري التغاضي عنه في اليمين الإسرائيلي: فعلى الرغم من قومية الناخبين اليمينيين، فإنَّ عدداً كبيراً منهم لا يشاركون الأصولية اليهودية التي تعتنقها الأحزاب في ائتلاف نتنياهو. 

كاره الفلسطينيين والعرب

وعلى الرغم من كراهية ليبرمان للفلسطينيين، فإنه لا يشارك في تشدد الصهاينة الدينيين في إسرائيل فيما يتعلق بالأرض. وعندما بدا أنَّ إسرائيل كانت تتجه نحو اتفاق سلام مع الفلسطينيين في منتصف العقد الماضي، أثار ليبرمان جدلاً بدعوته إلى إعادة رسم حدود الضفة الغربية للتنازل عن البلدات العربية الإسرائيلية إلى الدولة الفلسطينية وضم المستوطنات اليهودية [في الضفة]. ويعكس هذا الموقف رؤية للعالم تعود إلى جذوره في الاتحاد السوفيتي.

وقال ناتان ساكس، مدير مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز: «معظم اليهود من الاتحاد السوفيتي السابق علمانيون للغاية. بالنسبة له، فإنَّ الولاء للدولة أمر بالغ الأهمية. الحريديم لا يخدمون في الجيش، لذا فهم ليسوا قوميين جيدين، وهم يريدون التأثير سلباً على أنماط حياة [المهاجرين]».

وأضاف ساكس: «جاء [ليبرمان] من وسط أوروبا، وأي شخص من هذا الجزء من العالم ينظر إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. إن تجربته مفادها أنَّ العرقيات المختلفة لا تنسجم معاً».

وقال الخبراء إنَّ جزءاً من حملة ليبرمان مدفوع بشعوره بالمرارة من نتنياهو بسبب كل تلك السنوات التي لعب فيها دور الوصيف لرئيس الوزراء الإسرائيلي. وقال ساكس إنَّ ليبرمان أفضل من ينفذ سياسة حافة الهاوية، ويتمتع بإرهاق نتنياهو.

وقال ساكس: «إنَّ ليبرمان يلعب دور المارق في السياسة الإسرائيلية. فهو الشخص الذي يزدهر وسط الفوضى السياسية، وهو بارع في التلاعب بكلا الجانبين ضد بعضهما بعضاً».

ممكن جدا أن يتحالف مع المتشددين

لكن الكثير من المراقبين يعتقدون أنَّ ليبرمان يمكن أن يتراجع في النهاية ويشارك في ائتلاف مع الأرثوذكس المتشددين، لو قربه ذلك من هدفه بأن يصبح رئيساً للوزراء. 

ويقول زملاء سابقون لليبرمان وخبراء إنَّ ذلك يرجع إلى أنه أبعد ما يكون عن مناهضة رجال الدين. إذ دعم العام الماضي مرشحاً لمنصب رئيس بلدية القدس يدعمه الأرثوذكس المتشددون، بدلاً من مرشح علماني. ولسنوات جلس في الحكومات اليمينية جنباً إلى جنب مع أحزاب الأرثوذكس المتشددين. 

وقال أيالون، النائب السابق: «يريد [ليبرمان] أن يعتقد الجميع أنه شرس كدب روسي، لكن الكثير من الناس يقولون إنه مثل حرباء. يعول على ضعف ذاكرة الجمهور. إنه لا يزال غامضاً للغاية، وأي شيء ممكن معه».

كلمات دلالية