ميناء بحري في هوبيو: قطر تريد الصومال بأي ثمن

13:52

2019-08-21

دبي - الشروق العربي - ليس مهما أن تستحوذ قطر على ميناء بحري في هوبيو بالصومال، وليس مهما الدلالات الضيقة التي يحملها التدشين والاحتفال الصاخب الذي صاحب افتتاحه يوم الاثنين، بحضور وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، لكن من المهم الوقوف عند الطريقة التي تسللت بها الدوحة للحصول على الميناء، والأهداف التي ينطوي عليها، وتتجاوز في حقيقتها حدود مساعدة بلد أنهكته الحرب الأهلية، وجعلت بعض أقاليمه ملاذا لمتشددين وإرهابيين.

أدانت قطر نفسها، من حيث لا تدري، وربما تتحول خطوة الميناء إلى دليل جديد على أنها في مقدمة الدول المؤيدة والراعية للمتطرفين في المنطقة. فقصة حركة الشباب ممتدة ومتفرعة في الصومال، ولا تقل بأي حال عن حكايات التدمير والعمليات الإرهابية التي قامت بها تنظيمات مثل القاعدة وداعش، وكل الفرق المتشددة في الإقليم، وهي تتلقى دعما من قوى مختلفة، جعلها تواصل العمليات الإرهابية في الصومال
وغيره.

احتارت دوائر متعددة في استهداف هؤلاء لمصالح دول تريد مساعدة الصومال فعلا وفي مقدمتهم حركة الشباب التي تمثل حجر زاوية مهما في بنى الجماعات المتشددة المتجددة في المنطقة، وامتد عنفها إلى كل من كينيا وإثيوبيا وأوغندا، وانتهى بها المطاف لتكون بعض أجنحتها أداة من أدوات الدوحة لمضايقة من فضحوا علاقتها مبكرا بالإرهابيين.

توقف مراقبون عند المغزى الذي جعل التربص مستمرا برعايا دول وعدم الاقتراب من دول أخرى، حتى قدمت الدوحة دليلا ملموسا، من المرجح أن يكشف ألغاز عمليات جرت وعجزت بعض الجهات عن فك طلاسمها، أو اعتبرتها ضمن لعبة توزيع أدوار داخلية بغيضة، وتثبت في مجملها أن الفوضى في الصومال هدف حيوي تتجاوز مكوناته الصراع التقليدي بينه وبين دول مجاورة له، دخلت في نزاعات حدودية وسياسية طويلة.

سيفهم العالم أن توطيد الدوحة لمصالحها في الصومال وتمكينها من ميناء بحري أو غيره، جاء على جثث وأشلاء الكثير من المواطنين والأجانب، ولا تزال الفضيحة التي كشفت محتوياتها صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي ترخي بظلال سلبية على الدور القطري في الصومال، وتضمنت معلومات دقيقة حول شخصيات رسمية كانت على علم مسبق بعمليات إرهابية، أرادت من ورائها جني مكاسب وتكبيد دول أخرى خسائر معنوية ومادية.

من حق قطر الدفاع عن مصالحها بالطريقة التي تناسب رؤيتها، لكن ليس من حقها التحايل والتسلل من خلال قنوات غير قانونية، أو الاعتماد على جماعات تجتهد قوى إقليمية ودولية كثيرة في تقويض أدوارها المدمرة، وتحالفت معها الدوحة للمزيد من زعزعة الأمن، لأنه البيئة الخصبة لاستمرارها ونموها، ويتسق مع حزمة من الأعمال التي تورطت فيها قطر بشكل مباشر أو غير مباشر.

حرب مستمرة

في الصومال هناك أكثر من دولة لعبت دورا سلبيا

بالطبع لا تتحمل الدوحة وحدها مسؤولية التدهور الحاصل في أقاليم الصومال منذ حوالي ثلاثين عاما، غير أنها قدمت تفسيرا منطقيا لأسباب بقاء هذا البلد داخل هذه الشرنقة، بينما هناك دول أفريقية قريبة منه وبعيدة عنه سبقته في التوترات ولحقت به من حيث كثافة الصراعات، شهدت هدوءا واستقرارا مبكرين، وظل الصومال نموذجا حيا لحرب بالوكالة لا ينضب معينها، ولا يعدم المقومات اللازمة لتغذيتها.

وفي الصومال، هناك أكثر من دولة لعبت دورا سلبيا، وأدت تصرفاتها إلى تمكن الحرب منها وتحكمها في معظم مفاصلها. لكن ثمة قطر واحدة، وتركيا واحدة، وإيران واحدة. ضبطت الدول متلبسة بالإغداق على تنظيمات متشددة، ولم تنكر علاقتها العلنية أو الضمنية بقيادات متطرفة تساعدها ممارساتها العنيفة في تحقيق مآرب مختلفة. وإذا فقدت هذه الورقة ستتأثر مصالحها بقوة، لأن من ثوابت أنظمتها احتضان هؤلاء كأداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية.

تؤكد تجليات الصومال هذه المسألة؛ فكلما هدأت حدة العنف عادت إلى سيرتها مرة ثانية، وكلما طويت مرحلة سياسية وجاءت أخرى لم تتغير الأوضاع القلقة، وكلما ذهبت وجوه قديمة وفاشلة واستبشرت دول الجوار بأخرى وجدت نفسها أمام شخصيات مشابهة في الكسل والمناورة والتحول والرضوخ للأمر الواقع.

هكذا يمضي الصومال منذ ثلاثة عقود. كل بوادر الأمل في الاستقرار كانت تتبدد باستمرار، لأن قوى متباينة رهنت مصالحها بمواصلة الصراع في البلد الذي يحتل موقعا إستراتيجيا حيويا على البحر الأحمر وباب المندب، ويزخر بالموارد الطبيعية، وشهد صراعات ومعارك لتكسير العظام في فترات طويلة من تاريخه.

ترتبط عملية الحصول على نفوذ اقتصادي وسياسي في الصومال بالصراع المواجه له في اليمن والتعقيدات الإقليمية الطاغية، من حيث الأطراف والغايات، ويستفيد من التآكل الشديد في مؤسسات وهياكل الدولة لإرباك حسابات القوى الراغبة والساعية إلى وقف التصعيد على الضفة المقابلة.

كيف تقدم قطر نفسها على أنها شريك سياسي واقتصادي خلال زيارة وزير خارجيتها للصومال، وهي تعلم أن البلد تتجاذبه قوى عديدة أكبر وأكثر حضورا؟ هل تتصور أن تركيا التي سعت لتوطيد حضورها المعنوي في هذه الدولة يمكن أن تتكاتف معها لتهديد الأمن الإقليمي من هذه البوابة؟

تتجاوز الرؤية الخاصة بالصومال حدود الاعتماد على متشددين أو حلفاء تقليديين، فهم أداة لتنفيذ روزنامة قصيرة، وعندما يأتي الحديث عن الأهداف الإستراتيجية فتلك قضية أخرى، لأن هناك دولا لن تسمح للدوحة أو أنقرة بالعبث بأمن البحر الأحمر من نافذة الصومال.

التعاون مع المتشددين

إذا اعتقدت قطر أن الحصول على ميناء في وسط هذا البلد سيكون كفيلا بوضع موطئ قدم لها في أي ترتيبات تتعلق بالأمن الإقليمي فهي مخطئة

إذا اعتقدت قطر أن الحصول على ميناء في وسط هذا البلد نهاية المطاف أو سيكون كفيلا بوضع موطئ قدم لها في أي ترتيبات تتعلق بالأمن الإقليمي فهي مخطئة، فالسيولة الراهنة في الحصول قد تشجع على التعاون مع حركات متشددة لأغراض سياسية واقتصادية معينة، بيد أنها لن تسمح بتجاوز بعض التقديرات العميقة التي تملك مفاتيحها قوى إقليمية ليس من بينها قطر.

تريد الدوحة من خطوة الحصول على ميناء بالصومال في هذا التوقيت ضخ دماء في شرايين اقتصادها في منطقة بعيدة، ومناكفة الإمارات والسعودية ومصر، والإيحاء بأن المقاطعة التي تتعرض لها من قبل هذه الدول غير مجدية والزعم بأنها فقدت مفعولها، ولديها بدائل تستطيع استخدامها بصورة تقربها من التأثير في بعض الترتيبات، وتمنحها هامشا لأدوار مركبة.

بالإضافة إلى ذلك تحاول إيصال رسالة مفادها أنها عازمة على عدم مبارحة المنطقة، واهتزاز نفوذها مؤخرا في السودان عقب عزل الرئيس عمر حسن البشير لن يبعدها عما يجري في محيط القرن الأفريقي. وتعثرها الظاهر في إثيوبيا يمكن أن يتحسن مستقبلا، في ظل تطلعات أديس أبابا للانفتاح الإقليمي، ورغبتها الواضحة في توظيف موانئ دول الجوار، بينها الصومال، لخدمة اقتصادها، في إشارة تريد منها الرمز إلى أنها لم تفقد نفوذها، وقادرة على تطوير أدواتها بما يتماشى مع التوجهات والمشروعات التنموية التي أصبحت تمثل مركز جذب للكثير من قيادات المنطقة.

يتجاهل هذا التفكير حاجة دول المنطقة إلى تعظيم مكاسبها من دون إخلال بالتوازنات الإقليمية والدولية التي تضع الدول المؤيدة والراعية للإرهاب في كفة، وتجعل من الحرب ضد عناصره وتجفيف منابعه من المداخل لتوطيد التعاون على أساس تنموي. وهو ما يحرم قطر من أي دور مؤثر في معادلة بدأت تتبلور ملامحها بدقة في المنطقة بعيدا عنها.

محمد أبوالفضل