استراتيجية للقضاء على «الدولة الإسلامية»

18:22

2014-09-19

الشروق العربي -"حتى الآن، لا نملك استراتيجية" [للتصدي لتنظيم «داعش»]. بهذه الكلمات لخص الرئيس أوباما على ما يبدو كل الذي كان يزعمه منتقدوه منذ أشهر وهو: أنه يرتجل ويتوقف ويتروى عموماً في التصرف إزاء صعود جماعة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أو «داعش»، ذلك التنظيم الإرهابي الوحشي الذي سيطر على مناطق كبيرة من العراق وسوريا وادّعى يوم الثلاثاء أنه أقدم على قطع رأس صحافي أمريكي ثانٍ هو ستيفن سوتلوف. وبالتأكيد، استغل معارضو الرئيس الأمريكي هذه الكلمات التي أساء اختيارها.

من السهل التركيز على تعليق الرئيس أوباما والتغاضي عن المشكلة الفعلية، ألا وهي: ما هي الاستراتيجية السليمة للتصدي لـ «داعش»؟ لدى الرئيس مقاربة لمكافحة «الدولة الإسلامية» في العراق ولكنه يدرك أنه لن ينجح في هزيمة هذا التنظيم دون التعامل معه في سوريا أيضاً. فوجود ملاذ آمن لـ «داعش» في سوريا، حيث يكون التنظيم قادراً على التخطيط وتجنيد العناصر وإعادة تسليحها واستعادة قوتها لكي تتمكن من العودة إلى ساحة المعركة، يفسح المجال أمام التورط في حرب طويلة في العراق وقيام تهديدات متزايدة في المنطقة وللوطن الأمريكي أيضاً.

لذلك تتصارع الإدارة الأمريكية الآن مع خياراتها الفعلية الحقيقية في سوريا، علماً بأن هذه الخيارات يجب أن تصبو نحو هدف واضح. فمنذ عام 2011 انعدم الانسجام في سوريا بين هدف الولايات المتحدة المتمثل بخروج الرئيس بشار الأسد من السلطة وبين الأساليب التي كانت واشنطن مستعدة لاستعمالها من أجل تحقيق هذا الهدف.

ولهذا السبب لم يكن من المستغرب أن تكافح الإدارة حالياً لتقرر ما عليها فعله حيال «داعش» في سوريا. فهي تريد إضعاف «الدولة الإسلامية» دون أن تقوي الأسد، ولكن دون أن تنجر إلى الحرب الأهلية السورية. غير أن استراتيجية التجنب في سوريا لم تعد مسوغة.

إذا كانت «داعش» "سرطاناً" كما أحسن الرئيس أوباما وصفها، فلا يمكن للولايات المتحدة أن تتجنب الهجوم عليها في سوريا. ولا يمكن أن يقتصر هدف واشنطن على احتواء التنظيم، بل يتعيّن عليها دحره. وفي حين سبق للرئيس الأمريكي أن أعرب مراراً عن هذه الأمور - حيث كانت المرة الأخيرة في المؤتمر الصحفي الذي عقده الأسبوع الماضي - إلا أن الولايات المتحدة لا تطبق الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق هذه الغاية.

ومن الواضح أن «داعش» لا تشكل تهديداً على الولايات المتحدة فقط، وأن الحل ليس عسكرياً بحتاً ولا يمكن أن يكون كذلك. وهنا أيضاً كان الرئيس أوباما على حق. فهزيمة «الدولة الإسلامية» تتطلب انقلاب السنة على هذه الجماعة. ولا بد للعشائر السنية التي ثارت على التنظيم عند دخوله إلى العراق سابقاً في عام 2007، أن تكرر ذلك مرة أخرى، على أن تلقى الدعم المالي والعسكري - في كل من العراق وسوريا. وفي الواقع يتوجب على كافة القوى السنية الرائدة في المنطقة - السعوديون والإماراتيون والأردنيون والأتراك - أن تلعب دوراً في العملية.

ولكن كما هو الحال في كثير من الأحيان، إذا لا تعمل الولايات المتحدة على تعبئة وتنسيق الاستجابة بين مختلف الأطراف الدولية، من المستبعد أن تنثبق استجابة كهذه، ناهيك عن تناسقها وتماسكها. وعلاوة على ذلك، أن استعداد الأطراف الأخرى في المنطقة للتحرك - علناً وسراً - يعتمد على معرفة ما هي الأمور التي تكون واشنطن على استعداد للقيام بها. وقد تحدث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بشكل بليغ عن إقامة تحالف عالمي لمواجهة تنظيم «داعش»؛ ومع ذلك، فعندما يكون في الشرق الأوسط هذا الأسبوع، سيوجه إليه السعوديون وغيرهم أسئلة محددة حول الأستراتيجية الأمريكية.

سيتوجب على الوزير كيري أن يبرهن أن الولايات المتحدة تسير وفق خطة معينة، ولا بد له أن يكون قادراً على التصريح بأن الرئيس أوباما مستعد لتنفيذ ضربات جوية ضد مواقع «داعش» في سوريا وكذلك في العراق - وأن الولايات المتحدة سوف توفر المساعدة الفتاكة اللازمة والدعم اللوجستي في الوقت المناسب للجهات التي تقاتل ليس فقط «الدولة الإسلامية» بل الأسد أيضاً.

إن هذه الخطوة الأخيرة ضرورية، لا سيما بالنظر إلى الفكرة المتداولة بين السنّة في المنطقة، ومفادها أن الولايات المتحدة لم تحرك ساكناً حين تعرض الآلاف من أبناء السنة للذبح في سوريا، ولكن عندما بات التهديد يحدق باليزيديين والمسيحيين والأكراد،  بدأت واشنطن بقصف «داعش». إن شن هجمات على «الدولة الإسلامية» دون فعل أي شئ ضد الأسد سيعزز هذه الفكرة. وينطبق الأمر نفسه إذا بدا أن الولايات المتحدة تعمل جنباً إلى جنب مع الإيرانيين، والميليشيات الشيعية العراقية المدعومة من إيران، ضد «داعش».

وعلى الرغم من أن «الدولة الإسلامية» تحاول استغلال هذه الفكرة من أجل تعزيز شعبيتها في صفوف الطائفة السنية، فمن حسن الحظ أن الولايات المتحدة لن تضطر إلى إقناع السعوديين وغيرهم بخطورة التهديد الذي تشكله «داعش». وقد أدان العاهل السعودي الملك عبدالله تنظيم «الدولة الإسلامية» على الملأ، وأصبحت السلطات الدينية السعودية تحذو حذوه الآن.

وفي هذا الإطار، لا بد لكيري أن يستفيد من الموقف السعودي. وصحيح أن السعوديين سيصرون على معرفة الجهود التي تكون الولايات المتحدة مستعدة لبذلها، ولكن بوسعه أن يصر عليهم على أخذ زمام المبادرة وتولي القيادة في عملية التصدي لتنظيم «الدولة الإسلامية».

وما الذي يمنع الطلب منهم استضافة مؤتمر دولي يهدف إلى مكافحة تهديد «داعش»؟ يجب إعداد المؤتمر بحيث يتسنى لجميع المشاركين المعرفة مسبقاً أن عليهم تقديم التزام ملموس بهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي الواقع أن استلام دولة عربية سنية لدفة القيادة في هذا السياق سيضفي المزيد من الشرعية على الحملة ضد «داعش» - كما يتعيّن على الدول العربية تقديم الدعم العسكري في هذه الحملة - وما تتضمنه من القوات والأسلحة والتدريب؛ وتوفير الدعم للقبائل؛ والاستخبارات؛ والجهود الدبلوماسية، وحتى الجهود الدينية للحط من شأن «الدولة الإسلامية». (بإمكان حشد جامعة الأزهر في مصر، التي هي المركز الإقليمي الرائد لعلماء الدين السنة، لإدانة تنظيم «داعش» والتهديد الذي يشكله على الإسلام.)

ولا يمكن هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» إلّا من خلال قيام استراتيجية كاملة وشاملة. ومع ذلك يجب أن يكون هدفها واضحاً، إذ يجب أن تنطوي على دحر تقدم «داعش» في سوريا؛ ويتعيّن توفير الوسائل لدعم وحماية تلك القبائل السنية التي ستقاتل التنظيم؛ كما يجب أن يتم حشد الدول السنية الرائدة، والسماح لها بلعب دور يتجاوز كتابة الصكوك فقط.

ولن يحدث أيٌ من ذلك من تلقاء نفسه. لذا يجب على الولايات المتحدة أن تستعد للتحرك في سوريا بطريقة يعتبرها أبرز شركائها السنة معقولةً وموثوقة. ولكن إذا كانوا يريدون أن تقوم واشنطن باستخدام قوتها الجوية وتقديم الدعم اللوجستي ووسائل الاستخبارات بصورة أكثر منهجية، بما في ذلك في سوريا، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تعرف ما الذي هم مستعدون لفعله مباشرةً أيضاً. ففي النهاية تشكل «داعش» تهديداً لهم أكثر بكثير مما تشكله على واشنطن.

وكمبدأ عام، سعى الرئيس الأمريكي إلى الحصول على الدعم والمشاركة الدوليين عندما استخدمت الولايات المتحدة القوة في الخارج. إن التهديد الذي يشكله تنظيم «الدولة الإسلامية» يعزز إمكانية التوصل إلى استجابة دولية شرط ألا تراوغ واشنطن حول هدفها أو الوسائل التي هي على استعداد للجوء إليها من أجل تحقيق هذا الهدف. وباختصار فالذي تحتاجه هو استراتيجية.  

دينيس روس هو مستشار وزميل ويليام ديفيدسون المتميز في معهد واشنطن. وكان قد شغل منصب مساعد خاص للرئيس أوباما في الفترة 2009-2011