خطاب التهويل والتطرف الذي لا يخدم أصحابه

14:55

2019-07-17

أشرف العجرمي

دبي - الشروق العربي - تعودنا نحن الفلسطينيين كجزء من الأمة العربية خطاب المبالغة والتهويل والشعارات الرنانة الكبيرة التي لا تعكس الواقع وغالباً تضر بنا أكثر مما تفيدنا. ولو عدنا إلى الوراء قليلاً إلى الخطاب السياسي والإعلامي العربي في سنوات الستينات لشهدنا شعارات القضاء على إسرائيل ورمي اليهود في البحر التي انتهت بهزيمة ساحقة للجيوش العربية غسلها جزئياً الانتصار في حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973. ولكن درس الهزيمة والجمل الكبرى لم يغير المشهد الخطابي العربي، الذي تعلمناه نحن واعتمدناه مع أن واقعنا وسلوكنا مغاير تماماً. والاستثناء الوحيد هو في واقعية برنامج منظمة التحرير بعد عام 1973، وتبنيها برنامج السلام الفلسطيني وحل الدولتين. ويمكن القول في هذا السياق أن الرئيس محمود عباس يمثل المدرسة الواقعية أكثر من غيره ولا يميل لاستخدام الشعارات والجمل التي لا تنسجم مع الواقع.
وللأسف مع ظهور حركات الإسلام السياسي الفلسطينية بدأنا في العودة إلى شعارات الستينات واجترار التاريخ. وعادت هذه المنظمات إلى الشعارات التي استخدمتها منظمة التحرير في سنواتها الأولى قبل أن تمر بمرحلة النضج السياسي الذي أهلها للحصول على الاعتراف الدولي. وقد لفت نظري بشكل خاص أن الشعار الذي تم اختياره لمسيرات العودة في يوم الجمعة الماضي "لا مفاوضات ولا صلح ولا اعتراف" هو نفس لاءات قمة الخرطوم العربية في عام 1967، والمشكلة هنا أن من طرح الشعار يقاتل على التزام إسرائيل بالتفاهمات المتفق عليها معها، في سقف منخفض جداً عن أية مفاوضات سياسية ومطالب فلسطينية سابقة. والذي لا يريد مفاوضات يفاوض بشكل غير مباشر وأحياناً مباشر مع العدو. والذي يرفض وقف إطلاق النار والتنسيق بين إسرائيل والسلطة الوطنية يجد نفسه ملزماً بتفاهمات هشة وبتنسيق أمني من نوع آخر ويضبط قطاع غزة على إيقاعها ويتهم من يخالف تعليمات التهدئة بأنه مشبوه وربما خائن.
والأدهى أن تسمع تصريحات قيادي حمساوي تريد تنفيذ عمليات ضد اليهود في العالم وتتحدث عن مصنع أحزمة ناسفة لتحويل الفلسطينيين إلى قنابل وتفجير اليهود. وبعد أن تحدث هذه التصريحات ضجة كبيرة وتخدم إسرائيل كثيراً يتم التراجع عنها وتعتبر تصريحات شخصية لا تعكس موقف حركة "حماس" التي صرح العضو القيادي فيها بما صرح. ونسأل أنفسنا: ما هو جدوى هذه المواقف غير المنطقية والتي لا قبل لمطلقها ولا قدرة له على تنفيذها. ولم تفعل سوى التسبب بضرر وأذى مجاني.
هناك في الواقع نموذج لقيادي عربي أخذ على محمل الجد في إسرائيل وأصبح الإسرائيليون يصدقونه أكثر من قياداتهم وهو ما فعله حسن نصر الله أمين عام "حزب الله"، الذي نفذ ما وعد به وخاصة في حالتين: الأولى عندما هدد بقصف حيفا ونفذ، والثانية عندما قصف السفينة الحربية على الهواء مباشرة. ومع أنه يبالغ عندما يقول أن بمقدوره إعادة إسرائيل إلى العصر الحجري لا يزال يتمتع بصدقية في الشارع الإسرائيلي.
الإسرائيليون المحتلون الذين يرتكبون جرائم حرب بحق الفلسطينيين ويخرقون القانون الدولي، ويتعرضون لإدانات من المجتمع الدولي بصورة متكررة، ولديهم قوة هائلة يتفقون فيها على الجيوش العربية عندما يتحدثون عن جرائمهم يقولون أنهم يدافعون عن أنفسهم، ويعرضون أنفسهم بأنهم واحة الديمقراطية والحضارة في المنطقة في مواجهة "البربرية والإرهاب" الفلسطيني والعربي والإسلامي. وعندما يقتل جندي إسرائيلي حتى وهو يمارس الجريمة ضد الشعب الفلسطيني يعرضون صوره بلباس مدني عندما كان في المدرسة والجامعة، ومع صديقته أو زوجته أو أبنائه إن كان لديه، وهو يبتسم وفي لحظات تبدو حياته جميلة لكي يقولوا للعالم إن الفلسطينيين قتلوا البراءة والحياة الجميلة. وعندما يقتل طفل فلسطيني أو شاب قاصر نجدنا نعرض صورة له بالزي العسكري وهو يحمل بندقية، ونلجأ للفوتوشوب للاستعانة بالبرنامج لنظهر شهيدنا بطلاً مقاتلاً، ونخسر المعركة الإعلامية والدعائية. مع أننا ضحايا حتى من يقوم منا بعمل مقاوم بغض النظر عن جدواه هو ضحية الاحتلال. 
سؤالنا إلى كل المدعين بالقدرة على هزيمة إسرائيل وتدميرها: ارحمونا وتحدثوا بواقعية حتى لا تضللوا الناس وتصرفوهم عن النضال بالوسائل المتاحة التي تحقق تراكمات تؤدي في نهاية المطاف إلى التسوية المنشودة، الواقعية كذلك، والمبنية على برنامجنا الوطني الذي يحدد أهدافنا في الحرية والاستقلال، وإقامة دولة مستقلة في الأراضي المحتلة منذ العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرار 194، واجعلوا أفعالكم تتحدث عنكم. مع العلم أن أصحاب الخطاب الأقصوي لا يجدون من يصدقهم لا عدوا ولا صديقا، وفقط يخدعون أنفسهم ويختبئون وراء شعارات تعبر عن عجز في تنفيذ الحد الأدنى من برامج بشروا فيها في السابق. وليس عيباً أن نتعلم من أخطاء الماضي بدلاً من اجترارها بصورة سيئة بعيداً عن الواقع السيئ الذي نعيش، والذي تراجع فيه كل شيء بما في ذلك قيم الانتماء الوطني وتغليب المصلحة الوطنية على ما عداها لصالح قيم غريبة عن مجتمعنا مجتمع الثورة والانتفاضات، ولم يبق سوى شعارات يتغنى بها بعضنا.

كلمات دلالية