تآكل الموقف الأوروبي الداعم للقضية الفلسطينية!

14:31

2019-05-19

هاني حبيب

منذ «إعلان البندقية» عام 1980، الذي تبنّى فيه الاتحاد الأوروبي أو كان حينها باسم «المجموعة الأوروبية» سياسة خارجية واضحة وداعمة للقضية الفلسطينية، عندما أقر هذا الإعلان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، فيما بعد تم تبنّي «حل الدولتين»، ولم تقم أي دولة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وعارضت كل دولها القرار الأميركي بهذا الشأن، بينما ظلّت السويد الدولة الأوروبية الوحيدة التي اعترفت بدولة فلسطين.
بعد أسبوع تقريباً، ستجري انتخابات البرلمان الأوروبي، في ظل تنامي دور ونفوذ الأحزاب القومية والشعبوية في القارة الأوروبية، ما يمكن معه القول: إننا بانتظار جملة من المتغيرات المحتملة إزاء الموقف الأوروبي التقليدي من القضية الفلسطينية، خاصة أن الأسابيع القليلة الماضية عكست ما يمكن أن يوحي متغيرات ذات شأن فيما يتعلق بهذه المواقف المتراجعة عن الموقف التقليدي للصراع العربي - الإسرائيلي عموماً والملف الفلسطيني على وجه الخصوص، كان آخرها قرار البرلمان الألماني إدانة حركة المقاطعة BDS واعتبارها حركة مناهضة للسامية، والخشية من أن تتخذ دولاً أوروبية أخرى قراراً مشابهاً على ضوء التحولات الأخيرة في الموقف الأوروبي المتراجع إزاء الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، كانعكاس للمتغيرات في الخارطة السياسية الداخلية في بنية الاتحاد، وفي بنية كل دولة من دوله الثماني والعشرين.
كانت أهم الإشارات حول تراجع الموقف الأوروبي خلال الأسابيع القليلة الماضية، عندما أدانت موغيريني وزيرة خارجية الاتحاد إطلاق الصواريخ من غزة على دولة الاحتلال خلال التصعيد الأخير، مطالبة بوقفه دون أي إدانة للعدوان الإسرائيلي المتواصل وتجاهل لاستهداف العدوان لمسيرات العودة السلمية وسقوط مئات الشهداء والجرحى على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي، في تساوق مع الادعاءات الإسرائيلية ودعماً لها، وربما تشجيعاً للاحتلال للمضي قدماً في هذه السياسة التي تتعارض مع القوانين والشرائع الدولية، خاصة الحق في استخدام كافة الأساليب القانونية لمواجهة الاحتلال.
وبدلاً من الوقوف في وجه التجاوزات الإسرائيلية وقرصنة الاحتلال لأموال الضرائب «المقاصة» التي اتخذتها إسرائيل مؤخراً، فقد تبنّى الاتحاد الأوروبي اقتراحاً يدعو السلطة الوطنية الفلسطينية إلى تسلم أموال المقاصة منقوصة، إلى حين التوصل إلى توافق بهذا الشأن، خاصة فيما يتعلق بما قال عنه الاقتراح الأوروبي «ملاءمة المساعدات لاحتياجات الأمن الإسرائيلي»، وكأن الاتحاد الأوروبي يتبنى الموقف والادعاء والمبررات الإسرائيلية، بهذا الخصوص، ويشجع الاحتلال على اعتبار هذه القرصنة سياسة وسابقة يمكن اللجوء إليها كلما أراد الاحتلال ذلك، خلافاً للاتفاقات والقوانين الدولية.
وقبل أيام قليلة، نقلت وسائل الإعلام العبرية عن وزيرة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن الاتحاد سيبدأ تحقيقاً حول مضامين تشجع التحريض والعنف في المناهج التدريسية الفلسطينية، وباعتبار ذلك يحول دون «حل الدولتين» في الوقت الذي لم تسع دول الاتحاد لتحقيق هذا الحل، ودون أي مراجعة لما تتضمنه المناهج التدريسية الإسرائيلية من تحريض على قتل الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تم تطوير المنهاج الفلسطيني وفقاً لاعتبارات وطنية فلسطينية، وجاء هذا الموقف من قبل موغيريني، إثر طلب تقدم به عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي نهاية الشهر الماضي لوزير الخارجية الأميركي لتوضيح محتويات المنهاج الفلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة، في تناغم تام بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعتبر انحيازاً وتحريضاً ضد الشعب الفلسطيني، خلافاً للقوانين والشرائع الدولية ذات الصلة.
إن تبني الاتحاد الأوروبي مثل هذه السياسات، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره تشجيعاً للسياسة العنصرية الإسرائيلية من ناحية، وتراجعاً عن مواقف الاتحاد التقليدية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.