النكبة.. «#اهبد 194»

06:34

2019-05-14

جيهان فوزى

يوم نكبتنا، يوم استقلالهم.. الذكرى الواحدة والسبعون على نكبة فلسطين، يأتى إحياؤها وسط مخاض محفوف بالمخاطر تعيشه المنطقة العربية، وتحتفل به إسرائيل بهز الكؤوس الواثقة، فقد أيقنت أن رياح التغيير التى اجتاحت المنطقة، باتت تذود عنها غبار الرفض، وأن القومية العربية فى سبات غيبوبتها الطويلة، فلم تعد قادرة على استنهاض روح المقاومة ولا استرداد عافيتها، وآثرت السلامة بالاستسلام تحت شعار السلام والاستقرار والتعايش.

لم تنفض النكبة غبار المآسى بعد، فمازالت حاضرة فى كل بيت خسر أرضه وتاريخه وماضيه ويقاوم حاضره محاولاً صنع مستقبله، ففى كل مرحلة من مراحل التاريخ الذى كتب على الفلسطينى اللجوء حين اقتلع من أرضه غصباً واغتصاباً، ليسجل فى بطاقته الشخصية اسم «لاجئ»، يخسر جولة بفعل التراجع الكبير الذى حظيت به القضية الفلسطينية منذ قيامها تارة، وبفعل التطورات السياسية المتسارعة تارة أخرى، يحاول اللاجئ أن يتمسك بهويته وينزع عنه صفة الغريب فى أصقاع الأرض، لم يتبق من النكبة سوى إحياء ذكراها كل عام، وإضاءة شموع الأمل لإبقائها حاضرة فى الأذهان لا تموت، تكررت مسيرات العودة فى الداخل الفلسطينى على مدار السنوات الماضية الذين استمسكوا بأرضهم ولم يبرحوها، واعتبروا درجة ثانية فى المجتمع الإسرائيلى يعاملون كالعبيد، منزوعى الحقوق والصلاحيات، ليؤكدوا إصرارهم على حقهم فى العودة للوطن والقرى المهجرة التى دمرتها العصابات الصهيونية إبان نكبة عام 1948. «لا تنسوا فلسطين، لا نريد توطيناً، ولا بديلاً عن فلسطين ولو استبدلت بكنوز الدنيا»، تلك شعارات ما زالت تستحضرها مسيرات العودة التى تجول القرى والمدن التى احتلتها إسرائيل، فقد طرد الاحتلال الإسرائيلى أهالى 530 قرية ومدينة فلسطينية، بالإضافة إلى أهالى 662 ضيعة وقرية صغيرة، ليكون الشعب الفلسطينى ضحية أكبر عملية تطهير عرقى مخطط لها فى التاريخ الحديث، واستخدم الاحتلال لبلوغ مقصده أسلوبين: الأول الترهيب والترغيب لجعل الجاليات اليهودية الموزعة على دول العالم تأتى إلى فلسطين لتقيم المستوطنات وتقضم الأراضى الفلسطينية شيئاً فشيئاً، والثانى التقرب من الدول الفاعلة عالمياً والتأثير عليها لعقد اتفاقيات واستصدار وعود تعترف بوجود حق اليهودى فى فلسطين، فأصبحت الفرصة مواتية لإقامة وطن قومى لليهود بعد الوعد الذى قطعته بريطانيا قبيل إنهاء انتدابها على فلسطين والمعروف بوعد «بلفور» فى الخامس عشر من مايو عام 1984، ومنذ ذلك الحين تعددت القرارات الأممية والمبادرات والحلول الدولية التى تنصل منها الاحتلال، بدءاً من قرار التقسيم 181 إلى القرار 194 الذى يقضى بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، وغيرها الكثير من المبادرات والقرارات التى تم اغتيالها فى مهدها، رغم توقيع عدة اتفاقيات من كامب ديفيد إلى أوسلو لوادى عربة، فضلاً عن المفاوضات والمؤتمرات الدولية والإقليمية برعاية الولايات المتحدة الحليف الأول لإسرائيل، دون أن يتحقق شىء على أرض الواقع منذ النكبة وحتى الآن، بل تمادت إسرائيل فى غرورها وطغيانها وعدوانها مترافقاً بمصادرة المزيد من الأراضى وتهويدها وتهجير سكانها، لتوسيع المستوطنات وإقامة جدار الفصل العنصرى ومحو الهوية العربية الفلسطينية إلى الأبد، وتشديد سياسة الحصار والعقاب الجماعى وشن الحروب على قطاع غزة لتدمير بنيته التحتية والمجتمعية وتفكيك بنية المقاومة، وزيادة الحواجز العسكرية فى الضفة الغربية وعزل السكان الفلسطينيين عن حقوقهم وممتلكاتهم الحيوية وحرمانهم من التواصل مع عمقهم المجتمعى.

إن ما يبعث على التفاؤل تلك الروح التى لا تعرف اليأس، فقد دشن ناشطون فلسطينيون حراك «# اهبد» يوم 5 مايو، ثم حولوا اسم حراكهم إلى «# اهبد194»، نسبة إلى قرار الأمم المتّحدة 194، الّذى يقضى بحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى ديارهم، وهى إشارة نجدها غير مؤقّتة تبشّر بوعى كبير ونتائج مستقبليّة مؤثرة، فى الوقت الّذى تنتقل ساحات الحروب من الشوارع إلى الفضاء الرقمى لعلّ فلسطين تستطيع التأثير فى هذا الفضاء، ولعلّ هذا الحراك يكبر ليصبح ساحة فاعلة فى التأثير على الرأى العام العالمى.