العبور السياسى للشيعة

01:54

2019-01-10

د. محمود خليل

يعد كل من جمال الدين الأفغانى وعبدالرحمن الكواكبى أبرز صوتين ناديا بفكرة «الإصلاح الثورى» داخل العالم الإسلامى بدايات القرن التاسع عشر. والسؤال: هل مثّل هذان المفكران جسراً عبرت عليه بعض الأفكار السياسية الشيعية إلى العالم الإسلامى السنى؟. كلا المفكرين كان شيعياً كما ترجح العديد من الروايات التاريخية. ولعلك تعلم الدور الذى لعبه جمال الدين الأفغانى فى تربية الطليعة المثقفة التى ثارت على الخديو توفيق فى مصر (1882)، كذلك لا نستطيع أن نقلل من الدور الذى لعبته كتابات عبدالرحمن الكواكبى، وخصوصاً كتابيه: «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» فى تغذية الوجدان الثورى لدى الكثيرين ودفعهم إلى التمرد على الأوضاع الاستبدادية الظالمة التى يعيشون فيها.

قد يكون من المفيد فى هذا السياق أن نراجع بعض المعلومات التى وردت فى الدراسة التى أعدها «صالح الوردانى» تحت عنوان: «الشيعة فى مصر». ويشير فيها الكاتب إلى أن مصر احتفظت ببعض الأفكار والممارسات المرتبطة بالتشيع بعد إنهاء الحقبة الشيعية، وما زالت هذه الأفكار والممارسات تظهر فى حياة المصريين فى بعض الأحيان. من بينها: الحركة الصوفية التى عكست فى بداية ظهورها بعد انهيار الدولة الفاطمية تطبيقاً لمبدأ «التقية»، فقد تذرَّع المصريون بالتصوف من أجل الهروب من بطش صلاح الدين بالشيعة، فأظهروا «التسنُّن» رغم أنهم يضمرون التشيع، وبمرور الوقت تحول التسنن من مجرد ادعاء إلى حقيقة على يد الأبناء والأحفاد. وهناك تجمع الأشراف فى مصر الذين يرون أنهم ينتسبون إلى ذرية على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويطلق على نقابة الأشراف «نقابة الطالبيين»، ومن نسل الأشراف جاء الزعيم أحمد عرابى الذى قاد الثورة العرابية فى مصر.

وقد شهدت هذه الثورة واحدة من المفارقات الكبرى بين الفكر السياسى الشيعى الذى لا يجد غضاضة فى الثورة والفكر السنى الذى يوجب طاعة ولى الأمر حتى ولو كان ظالماً. فعندما أخذ الزعيم «أحمد عرابى» -وهو من الأشراف كما ذكرت- يعد العدة لمواجهة الإنجليز فى معركة «التل الكبير»، إذا بمنشور موقّع من السلطان العثمانى (خليفة المسلمين) يوزع على الجنود والأهالى يقول بـ«عصيان عرابى»، بمعنى أن عرابى أصبح «خارجياً» أبق عن طاعة الخليفة، ومن ينحاز إليه يصبح خارجياً مثله يرفض طاعة ولى نعم المسلمين!. وكانت النتيجة أن انفض الجنود والأهالى من حوله بسبب تجذُّر الفكر السنى الذى يحض على طاعة ولى الأمر فى وجدانهم.

وربما كانت هذه التجربة المريرة أحد الأسباب التى دفعت الشيخ «محمد عبده» -أحد شركاء الثورة العرابية- إلى مراجعة أفكاره، لينهج نهجاً مختلفاً فى التغيير السياسى، ابتعد فيه عن فكرة الثورة، وأعلى فيه من فكرة التربية. فقد آمن محمد عبده بضرورة وجود مؤسسة قادرة على إصلاح الواقع داخل الدول الإسلامية، أطلق عليها «مدرسة الزعماء» لتخريج المصلحين والقادة ممن يحملون عبء الإصلاح فى كل بلد من بلاد الشرق، وهو الرأى الذى أسخط عليه السيد جمال الدين الأفغانى الذى لا يعرف الإبطاء سبيلاً من سبل الإصلاح والتجديد. فقال لتلميذه يومئذ «إنك لمثبط». فهل كان «الأفغانى» مدفوعاً فى غضبه بتراثه السياسى الشيعى، فى حين كان «محمد عبده» متأثراً بتركيبته السياسية السنية التى دفعته إلى العودة إلى فكرة التربية والإصلاح؟.