تقرير: هجرة تركية جماعية للثروات والكفاءات هربًَا من استئثار أردوغان

23:18

2019-01-03

دبي - الشروق العربي - أظهرت إحصاءات رسمية أخيرة أن أكثر من ربع مليون تركي هجروا بلادهم خلال العام 2017، بزيادة 42% عن العام الذي سبقه، وهو ما وصفته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بأنه هروب جماعي من تفاقم الديكتاتورية تحت ظل الرئيس رجب طيب اردوغان، ومن التراجع السريع في مستويات المعيشة جراء المشاكل الاقتصادية المستجدة، والتدهور في سعر الليرة.

تصويت بعد الآن بـ”الأقدام”

وفي تقرير ميداني من تركيا بعنوان “ازدراءً لرؤية أردوغان: الأتراك يهاجرون جماعات، ويُفرغون تركيا من المال والمواهب”، سجلت “نيويورك تايمز” أن ما بناه أردوغان خلال 17 سنة من أحلام استعادة تركيا العثمانية، يتفكك اليوم، وأن الذين صوّتوا لأردوغان بأيديهم في الانتخابات الماضية سيصوتون له في الانتخابات المحلية المقبلة بأقدامهم، إشارة إلى الهروب الجماعي من نظام حكمه.

واستحضر التقرير الميداني، الذي أعدّته “كارلوت كول”، أن أردوغان استخدم خلال سنوات حكمه الـ 17 الماضية، الأحلام العثمانية التوسعية معتمدًا على مقايضة الأحلام بالتجارة الخارجية والمرابطة العسكرية في الدول الأجنبية.

وقد تسنّى له ذلك تحت ظلّ النمو الاقتصادي الذي تواصل في تركيا، والذي اصطدم بالحائط العام 2016 مع المحاولة الانقلابية.

وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد التركي شهد خلال السنوات الثلاث التي أعقبت المحاولة التركية “انكسارًا جارفًا”، كانت شواهده خلال 2018 اضطرابًا اقتصاديًا، وهبوطًا حادًا في الليرة.

ومع ذلك، وبشكل مثير للمفارقة والريبة، نجح أردوغان في الانتخابات الأخيرة، وتوغّل عميقًا في نهجه الديكتاتوري داخل المؤسسات.

فقدان الثقة

وأضاف التقرير أن الشعب التركي وهو يصحو على هذه المفارقات، بدأ يهاجر بشكل جماعي ومن فئات تمثل المواهب والقوة المالية، وهو ما يشكّل استفتاء سلبيًا يتسّم بفقدان الثقة برؤية أردوغان تؤكده أرقام الإحصاءات.

ونوعيات الذين هجروا تركيا خلال العامين أو الثلاثة الأخيرة، كما يقول تقرير “نيويورك تايمز”، هم من الرواد، ورجال الأعمال، والأكاديميين، وآلاف الأثرياء الذين يبيعون كل شيء ويحملون عائلاتهم وأموالهم هربًا للخارج.

إعادة هيكلة رجعية للمجتمع

الفرق بين الهجرة الواسعة الراهنة، وبين الهجرات السابقة، هو أن الأخيرة تأخذ شكل “إعادة هيكلة المجتمع بما يهدد لإعادة تركيا عقودًا للوراء”، بحسب إبراهيم سيركجي مدير الدائرة عبر الأممية للدراسات في جامعة ريجنت ببريطانيا.

وهي رؤية يتشارك بها محللون كثر، بحسب تقرير “نيويورك تايمز”؛ فهجرة العقول التركية حقيقية، كما يقول سيركجي.

ويرى التقرير أن النزوح التركي الجماعي الحالي، والذي يتضمن هجرة الكفاءات ورأس المال، يأتي مدفوعًا بجملة من العوامل المتشابكة التي بات يتشكل منها نمط الحياة تحت وطأة نظام أردوغان، وهو الذي أصبح بيئة طاردة موسومة باليأس من الإصلاح.

مصالح شخصية وحزبية لأردوغان

وفي هذه الخلية الطاردة، يتشارك الخوف من الاعتقال السياسي، ومن الممارسات الترهيبية، فضلًا عن فقدان عميق للثقة بالسلطة القضائية، وانتشار البيئة الاستثمارية المتدنية.

ويضاف إلى ذلك أن أردوغان يحيط نفسه بمجموعة مساعدين ومستشارين يمتهنون انتهاك الإدارة الاقتصادية لمصلحة أردوغان شخصيًا، والدائرة الصغيرة حوله، كما تقول الصحيفة.

وقد ترتب على كل ذلك، أنه للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التركية قبل حوالي مئة سنة، فإن الكثيرين من طبقة الأثرياء بالوراثة، وبالذات نخبة العلمانيين الذين حكموا تركيا طوال العقود التي سبقت مجيء أردوغان، يهجرون تركيا الآن بشكل جماعي تاركينها للأثرياء الجدد، وجلّهم من المقرَّبين لأردوغان وحزبه الحاكم، كما تقول نيويورك تايمز.

وتنسب الصحيفة إلى مصممة الأزياء ميرفي بايندر (38 سنة) التي هاجرت إلى لندن هي وأمها، القول:”أزور إسطنبول الآن من أجل أن أستكمل بيع كل شيء لنا هنا”، وتضيف: “إسطنبول هذه كئيبة.. ليست إسطنبول التي أعرفها”.

وتروي بايندير كيف أنها تعرضت لمختلف أنواع الاضطهاد، والغضب، والتمييز الذي لم تستطع احتماله، وذلك عقابًا لها على مشاركتها في مظاهرات 2013 التي خرجت لترفض مشروع الحكومة بتجزئة ساحة “تقسيم”.

10 آلاف فيزا أعمال لبريطانيا

وقالت الصحيفة إن الآلاف من الأتراك، مثل بايندير، قدموا طلبات فيزا هجرة أعمال إلى بريطانيا، أو إلى اليونان، والبرتغال، وإسبانيا، وهي الدول التي تمنح الإقامة الدائمة لمن يشتري عقارًا، كذلك تضاعفت أعداد الأتراك طالبي اللجوء السياسي إلى أوروبا، بحسب معلومات سيركجي الذي يعتبر خبيرًا في شؤون الهجرة إلى بريطانيا على مدى 25 سنة.

وبحسب ما لديه من أرقام فإن حوالي 10 آلاف تركي حصلوا على فيزا بيزنس إلى بريطانيا خلال السنوات الثلاث الماضية رغبة بالهجرة، وأن هذه الشريحة تضاعفت أعدادها خلال 2016، مشيرًا إلى أن أرقام وكالة الأمم المتحدة للاجئين تسجل ارتفاعًا في عدد الأتراك طالبي اللجوء السياسي للخارج خلال 2017 بحوالي عشرة الآف، ليصل الإجمالي 33 ألفًا.

وتنقل الصحيفة عن بكر أغيردير، مدير وكالة كوندا لاستطلاعات الرأي، أن هجرة الكفاءات والعقول التركية جاءت بسبب محاولات أردوغان إعادة تشكيل المجتمع التركي بحسب نهجه الذي صنع طبقة جديدة من المستفيدين أوجب الهجرة على الآخرين من ذوي الكفاءات ورأس المال.

ويقدرّ رجل الأعمال التركي محمد غون حجم الثروات التي هجرت تركيا خلال السنوات الثلاث الماضية بمليارات الدولارات.

12 ألف مليونير تركي هاجروا

وتنسب “نيويورك تايمز” إلى التقرير السنوي الأخير لمؤسسة “الثروة العالمية المهاجرة”، أن 12 ألف مليونير تركي، يشكلون 12% من قوة الطبقة الغنية، قاموا خلال عامي 2016 و2017، بترحيل أموالهم خارج تركيا لأنهم وصلوا درجة اليأس من أي تحسن في نهج الرئيس أردوغان وفي إصراره على إعادة هندسة المجتمع لصالح مؤيديه وحزبه.

ويقول التقرير، الذي أصدره “البنك الأفريقي الآسيوي” إن معظم هؤلاء هاجروا للإقامة في أوروبا، أو في الإمارات العربية المتحدة، وإن إسطنبول تحتل الآن المرتبة السابعة بين أكبر المدن الطاردة لأصحاب الثروات.