الاربعاء, 27 مارس 2019, 02:10 صباحاً
شريط الاخبار
بحث
الكعك المقدسي.. ملك الموائد الصباحيّة والإفطارات الشهيّة
آخر تحديث:
12/03/2019 [ 14:43 ]
الكعك المقدسي.. ملك الموائد الصباحيّة والإفطارات الشهيّة

دبي -الشروق العربي -للكعك المقدسي سحره الخاص، فمذاقه اللذيذ، ورائحته النفّاذة المشبعة بطعم الحنين إلى أيام الزمن الجميل، تشي بالكثير عن المكان الذي شهد مسرى سيّد الخلق ومعراجه إلى سدرة المنتهى، فبارك الله فيه وحوله، وجعله مقصدًا للمؤمنين، ورباطًا لهم إلى يوم الدين. فالعجينة بأشكالها وتكويناتها وقوالبها والتواءاتها، والمكوّنة من الطحين والخميرة، والسكر، والسمسم، تستحيل سحرًا يأسر العيون، وهي تخرج من جوف اللهب، قبل أن تجد طريقها لأفواه الجائعين الذين ينتظرونها على أحرّ من جمر التنور. على حواف اللهب الطالع من بطن التنور، تنهض قصص وحكايات يعجّ بها المكان الذي بات مقصدًا للعمّال، والسائحين، والمصلين في الغدو والآصال.

في هذا التحقيق الخاص وقف الزميل محمد زحايكة عند "المسافة صفر" من حواف اللهب الطالع من جوف التنور، وتنشّق رائحة الكعك، وهو يتكون على مهل، قبل أن يسرَّ الناظرين ويفتح شهية الآكلين. ليكشف لنا عن سحر المذاق، وسرّ الألق الطالع من تلك الصناعة المقدسية الحصرية.

 

 تراث عريق

يرى مهدي أمين العجلوني؛ وهو واحد من أصحاب "فرن ومخبز الأمين" في حي المصرارة، أن الكعك المقدسي يشكل هُويّة البلد وتراثه، وأن طعم الكعك، ونكهته مرتبط بأهمية القدس، ونقاء مائها المتدفق من بئر الأقصى والحجر القديم، إذ يكتسب الكعك روح الحياة الممتزج بنار الحطب المشتعل في بيت النار العربي، الذي يحفظ طعم السيرج الأصلي المخبوء داخل حبّات السمسم.

ويقول العجلوني إن المذاق المميّز للكعك المقدسي، دفع إحدى الجهات لتصميم تطبيق خاص عن الكعك ومأكولات المدينة التراثية، "إذ وقع الاختيار علينا، وعلى حمص أبو شكري في البلدة القديمة للترويج له في بلدان أوروبية كإيطاليا، وبينما لا يزال خبيز الكعك المقدسي يعتمد على بيت النار العربي وحطب خشب الزيتون الذي يكسبه نكهته الأصلية، فإن الخبز في البلاد الأوروبية، يتكون على حرارة ماكينات خاصة تفقده نكهته الأصلية.

ويختلف طعم الكعك إذا ما استخدم السمسم المستورد في خبيزه، فسمسم البلدة القديمة الذي تنتجه معصرتا الجبريني والصالحي يكسب الكعك طعمه الخاص ونكهته المميزة، فالكعكعة التي تخرج من المدينة تكون مقدسيّة الماء والهواء.

غزوة الخواجا شلومو

ويستذكر العجلوني حكاية "الخواجا شلومو" الذي جاء قبل بضع سنين ليشتري كميات كبيرة من كعك القدس لبيعها في إحدى المونديالات، لنكتشف لاحقًا أن شلومو عمل على تشغيل أحد الصِّبية العاملين لدينا مخبز "أنجل" الاسرائيلي، لكي يتعرف على سرّ الصنعة، لتقليد صناعة الكعك المقدسي، ولكنّه مني بفشل ذريع، وكذلك الحال مع كثيرين حاولوا الشيء نفسه في بيت حنينا، ورام الله، وعمان، دون تحقيق أي نجاح، رغم استخدامهم نفس المواد والعناصر المكونة له.

الملكة والأميرات

وإلى جانب الكعك بالسمسم، فإن أفران القدس تنتج الكعك بالعجوة، وخبز الوردة، و"السمون العربي"، وخبز الحمام حيث يزيد الطلب على تلك الأصناف في شهر رمضان مثلًا، في حين تبقى البرازق والسجق، وأقراص البيض، وصواني اللحمة، والبطاطا المحمرة، والفخارات الشهية، والمعجنات التراثية، بمختلف أنواعها ومكوناتها من زيت وزعتر وريانة وأقراص سبانخ وغيرها، أميرات بجانب الكعكة؛ عروس القدس وملكتها المتوّجة.

img_6248-1

 

في تنور الرازم

وشهد فرن الرّازم في حارة السعدية لصاحبيه أبو مصعب وأبو عودة الرازم، تصوير أحداث درامية لمسلسل "باب العامود" من إنتاج الفنان اسماعيل الدباغ، والذي يروي فيه حكايات البلدة القديمة العابقة بالتاريخ والزمن الجميل. كما أنتج الفنان محمد القزاز فيلمًا قصيرًا على اليوتيوب بعنوان "نص كعكة" جرت أحداثه في مخبز أبو اسنينة في باب حطة في الطريق إلى الحرم الشريف، يظهر عملية صناعة الكعك من الألف إلى الياء.

وعن الفرن الذي بني منذ أيام الانجليز، يقول أبو مصعب في تفسيره للمذاق الخاص للكعك المقدسي: "بلادنا مباركة وحجارتها قديمة، بركة القدس والأقصى، فطعم الكعك خارج السور يختلف عنه داخله، إذ يبدو أن مناخ القدس، وهواها له دور مهم في سحر المذاق".

كعك أمريكي!

ويستذكر أبو مصعب قصة المختار من حارة النصارى، الذي حاول إغراءه بفتح مخبز للكعك في أمريكا على حسابه الخاص، في حين يقدّم هو خبرته في فن الصناعة المقدسية، إلا أنه رفض هذا العرض المغري، لأنّه مقتنع أن الكعك خارج القدس لن يكون بذات النكهة والمذاق الساحر مثلما هو داخلها، فالكعك أكلة شعبية مرغوبة، فهناك العديد من المسافرين الذين يأتون إلى المدينة المقدسة، ليملأوا حقائبهم بالكعك بعد تجميده ليكون حاضرًا على موائد إفطاراتهم الشهية لأيام طويلة، لعشقهم لذلك الكعك الذي لا مثيل له.

ويمكن مراقبة أبو مصعب، وهو يلقي بعجين أو "خبيز الكعك" في فوهة التنور الذي يستوعب نحو 60 كعكة في الوجبة الواحدة، فما أن تدخل العجينة البيضاء إلى بيت النار حتى تخرج منه حمراء من غير سوء "مقرمشة " تأسر الناظرين، وتفتح شهية العاشقين لتناول الكعك مع الفلافل والبيض بحضور الشاي بالنعناع على مائدة الإفطار، وتصفّح عناوين الأخبار في جريدة "القدس" التي غالبًا ما تغدو فراشًا للآكلين.

أفران الكعكة الصفراء

في البلدة القديمة من القدس؛ ثلاثة أفران في حارة السعدية، ورابع في حارة النصارى، أمّا خارج السور، فإن "فرن ومخبز المصرارة" و"فرن ومخبز الأمين" يعتبران من أشهر الأفران قرب باب العامود، إضافة إلى "فرن التنور" المعروف في وادي الجوز. ففي رمضان يتقاطر المئات من خارج المدينة المقدّسة إلى تلك الأفران عقب الصلاة مباشرة للحصول على حصتهم التي تزيّن موائد الشهر الفضيل.

 

فرن محمد علي الكبير

ويتمسّك المسن محمد علي أبو علي (82 عامًا)، بفرنه الأثري القديم الواقع في أحد أزقة حارة السعدية، إذ وَرِثه عن أجداده منذ 300 عام. ويصف أبو علي عشق السياح للكعك المقدسي بـ"المدهش"، إذ يتقاطرون إليه طلبًا لأقراص السجق والبيض. بيد أن الشيخ الثمانيني لم يخف تحسّره على ذهاب أيام العز بسبب الضائقة الاقتصادية التي تعانيها المدينة، فـ "زمن أوّل حوّل" لكنه يعتقد أن ماء القدس وهواها، هما ما يكسبان الكعك مذاقه الشهيّ.

 

قفشات وحكايات من معين الذكريات

 

الدعم للبيض!

في ثمانينيات القرن الماضي، توجّه عدد من بائعي الكعك والبيض والفلافل، إلى عمّان للحصول على دعم من اللجنة الفلسطينية الأردنية المشتركة آنذاك، أسوة ببقية المؤسسات والنقابات العاملة في القدس، فجاءت موافقة اللجنة على تقديم الدعم للبيض فقط.

"بدنا كعك، اسّا"

"اسّا.. بدنا كعك"، هذا ما رواه عامل في أحد أفران المصرارة عندما وصلت مجموعة من فلسطييني الداخل في ساعة متاخرة للمخبز، وكان التعب قد استبدّ بصاحب الفرن، وأطفأ التنور، لكنّهم أصروا على طلب كمية من الكعك فهم جاءوا خصيصًا من الناصرة لهذا الغرض، وأنّ سبب تأخرهم يعود لخلل أصاب سيارتهم، وأمام إصرارهم بقولهم "إسّا بدنا كعك" اضطر صاحب الفرن لإيقاد التنور مجددًا، وكانت لفتة جميلة منهم أن ضاعفوا كميتهم من الكعك حتى لا يشعل الفرن من أجل كمية بسيطة فقط، وخرجوا من المخبز باسمين مستبشرين.

"بسطة أورا"

منذ أكثر من (40 عامًا) تأتي اليهودية "أورا" إلى أفران المصرارة لتحصل على حصتها من الكعك المقدسي الشهي قبل أن تعود به لتفتح بسطة في مكان ما بين حديقة الجرس، وسوق "محنيه يهودا" غربيّ القدس.

أعط خبزك للفرّان

من عالم الكعك والعيش، والأفران والصواني جاء المثل العنوان، إذ اعتاد أهل المدينة المقدسة على إرسال صواني اللّحمة، وما يعدّونه من أطباق بيتية إلى الأفران لتطهى على اللهب الطالع من الحطب ما يكسبها الطعم الشهيّ، ولو أكل الفرّان نصفها، في دلالة على مذاق الطعام الشهي، عندما ينضج على نار هادئة في قلب التّنور.

موائد الكعك اللّيلية في الصحف اليومية!

تصعب الإحاطة بقصص وحكايات رجال السياسة والصحافة مع الكعك المقدسي، بيد أنه يمكن استعراض تلك القصص التي كانت مقار الصحف اليومية الثلاث "القدس" و"الفجر" و"الشعب" ساحاتها في ثمانينيات القرن الماضي، إذ كانت موائد الكعك الليلية تفترش مكاتب التحرير ومكاتب الصف والتنضيد في المطابع، مع صدور الطبعات الأولى للصحف مع صياح الديك.

ويروي المصور الصحفي اسحاق القواسمي قصة طباعة صحيفة "الفجر" في مطابع جريدة القدس بطريقة "الاوفست" إذ كان وليد أبو الزلف رئيس التحرير لا يتركه قبل أن يوصي على كمية من الكعك الساخن يتم تناولها خلال ساعات انتظار طباعة الكمية الخاصة بجريدة "الفجر"، وقبله كان والده عميد الصحافة الفلسطينية الراحل محمود أبو الزلف لا يبخل على العاملين في الصحيفة ليلًا، وخصوصًا عُمّال المطبعة؛ إذ كان يحرص على تزويدهم بكعك المصرارة ليعينهم على السهر الطويل حتى خروج النسخة الأخيرة من بين دواليب المطبعة.

وكانت صحيفتا "الفجر" و"الشعب" تتسابقان في هذا المضمار، ولا تخلو لياليهما الطويلة من موائد الكعك والسجق، والبيض الطالع من أفران القدس العتيقة، والمصرارة، إذ طالما التقى العاملون في الصحف في الأفران، بانتظار الوجبة الشهية الخارجة من جوف التنور، تمامًا كما أخبارهم الخارجة من صالات التحرير ووكالات الأنباء.

وكنت شاهدًا على صحفيي "الشعب" الزملاء الأحمدون الأربعة؛ أحمد الخولي، وأحمد الطوباسي، وأحمد صيام، وأحمد الرفاعي، ومعهم "مايسترو الشعب" والدينمو المحرّك الزميل إبراهيم ملحم، وهم "يتناولون" لقيمات الكعك أثناء انهماكهم في العمل الليلي الذي "يهدّ الحيل". وقد لمحت ذات مرة الإعلامي الكبير أكرم هنية رئيس تحرير "الشعب"، وهو يتناول الكعك المقدسي في مكتبه في الصحيفة، قبل إبعاده عام ستة وثمانين، كما لمحت الراحل محمود يعيش صاحب جريدة "الشعب"، وهو يتناول الكعك المقدسي على مكتبه صباحًا.

كعكات العجلوني

كنت شاهدًا على كعكات بولص عجلوني ناشر صحيفة "الفجر" المقدسية، وهو المغترب الفلسطيني في أمريكا، إذ كان يصر على تناول الكعك مع الفلافل في كل مرة يزور فيها المدينة، حتى أنه رفض ذات يوم تناول وجبة بيتية من اللحم الشهي، أحضرها له خصيصًا أحد العاملين، مؤثراً عليها الكعك المقدسي.

أما صحفيو الضفة الغربية، ومراسلو الصحف المقدسية؛ سعيد عياد، وحمدي فراج، وحسن عبد الجواد، وجودت مناع، والشقيقان صلاح، ومحمد الديري، وبسام بلاطة، ونبهان خريشة، وغيرهم كثيرون، فقد كانوا يتحلّقون حول هذه المائدة "الرحمانية" في الليالي البعيدة، يتبادلون خلالها أطراف الكلام والطعام، ولا ننسى مراسل "الفجر" زهير الدبعي من نابلس الذي استقدم للعمل عدة أيام في التحرير الليلي في الصحيفة بشارع نابلس، وكيف كان "يخف" كالريشة، إلى أفران المصرارة، جالبًا معه الكعك والفلافل الشهية.

حمدي فراج وكعك القدس

ويقول الكاتب حمدي فراج إن لكعك القدس وفلافلها سحر الطعم ولذّة المذاق لارتباطه الوثيق بالمكان والزمان: كنت أحرص على تناول الإفطار في القدس قبل نحو ثلاثة عقود إذ كنت حينها أدرس في مدرسة دار الأيتام"، وكنت دائمًا أحرص أن أجلب بعضًا من الكعك والفلافل لوالدتي التي كانت تميّزه عن باقي الكعك وتقول إنه مبارك ببركة الأقصى، "فكل شيء من القدس يختلف طعمه".

WhatsApp Image 2019-03-11 at 6.55.52 PM

مع فيصل الحسيني

ويروي اسحاق القواسمي، أن الراحل فيصل الحسيني كان يحرص على تناول الكعك في منزله بأريحا أو عين سينيا، إذ كان يوصي بإحضار الكعك المقدسي، ولم يكن يتركنا نذهب قبل تناول الكعك وهو يقسّمه علينا بيديه مع الفلافل والبيض المشوي. ويقال إن الوفد الفلسطيني الذي توجّه إلى مدريد مطلع تسعينيات القرن الماضي، اصطحب معه كمية من الكعك المقدسي، كما أن أبو عمار كان يوصي بإحضار الكعك إلى مقرّه في العاصمة التونسية.

أبو عيشة: سيظل الكعك يخرج من التنور

الفنان المقدسي حسام أبو عيشة أصر على أن يكون فرن عودة "الرازم" في حارة السعدية بالقدس العتيقة مكانًا لإجراء مقابلة مع التلفزيون الألماني، حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وبعد أن تناول طاقم التلفزيون الكعك المقدسي اللذيذ. قال لهم حسام: "كعك القدس أطول عمرًا من عشرة رؤساء أمريكيين مجتمعين. سيذهب ترامب كما ذهب من قبله في حين سيبقى كعك القدس يخرج من التنور المقدسي. فكعك القدس رمز المدينة الخالدة الباقية عربية الوجه واليد واللسان على مدى الزمان، ما ادهش طاقم التلفزيون الألماني.

ويعتقد أبو عيشة أن منع أفران القدس خارج الأسوار من خبز الكعك على الحطب هو مؤامرة تستهدف الطعم المميز للكعك المقدسي، مدللًا على أنه يتم السماح بخبز البيتزا على نار الحطب خارج الأسوار.

من زمن صلاح الدين

ويعتقد أبو طارق حامد من فرن ومخبز المصرارة، وهو يشرح لنا مراحل تحضير الكعك "أن جذور الكعك ربما تعود إلى عهد الناصر صلاح الدين محرر القدس، ويؤكد أنه لا يمكن تصور القدس بدون كعكها التراثي الذي بات جزءًا من هويتها. وأضاف: "إذا أردنا أن نعرف أهمية الكعك المقدسي، علينا أن نراقب كيف ينظر الإسرائيليون بحسد لنا، لاننا أصحاب هذا التراث الغذائي الذي أصبح معروفًا بنكهته وتميّزه على نطاق العالم.

مملكة أبو اسنينة

يلاحظ أن عائلة أبو اسنينة هي من أكثر العائلات المقدسية شغفًا بصناعة الكعك، إذ تملك عدة أفران في البلدة القديمة. ويتذكر أبو حازم أبو اسنينة من فرن أبو اسنينة في باب حطة، كيف أن أجداده كانوا يعملون في نفس الفرن منذ نحو مئة عام، وأن أهل الشمال ما زالوا مغرمين بالكعكة المدورة، كما أن مجموعات كبيرة من أهل غزة كانوا يبتاعون كميات كبيرة من الكعك المقدسي ويأخذونها إلى غزة.

ويروي أبو حازم أنّ سيدة سألت والده ذات مرة عن كيفية وضع حبات السمسم على الكعك، فأجابها مازحًا أن أفراد عائلته يفيقون في منتصف الليل، ويبدأون بوضع حبات السمسم حبة حبة على عجين الكعك، والغريب أنّها صدقت هذه "المزحة"، وأرادت دفع مبلغ مضاعف ثمنًا للكعك، وتقديرًا للجهد المبذول في وضع حبّات السمسم!

مقالب الكعك

ويروي أبو حازم كيف تم الإيقاع بأحد الأشخاص عندما عرض عليه باعة بسطات الكعك في منطقة باب العامود شراء كمية كبيرة من الكعك بحجة أن ظرفًا طارئًا حصل لهم، وهم مضطرون للمغادرة، وأوهموه أن مجموعات كبيرة من السياح الهنود سيأتون في حافلات لشراء الكعك.. وما عليه إلا انتظارهم، ولن تبقى ولا كعكة! والطريف أن السياح وصلوا بالفعل، ولكنهم لم يرغبوا بشراء الكعك لأنهم كانوا في عجلة من أمرهم، فأُسقط بيد الرجل.

لوحة الفنانة سماح ياسين

"أصابتني الدهشىة" هكذا وصفت الفنانة المقدسية سماح ياسين مشاعرها عندما شاهدت صورة فوتوغرافية على "الانترنت" لبائع الكعك، فرسمتها لوحة فنية ناطقة بريشتها مضفية عليها عناصر خاصة من عبق القدس وعراقتها ورائحتها المميزة.

وتبين أن الصورة لمخبز محمود الصواف في سوق العطارين بالبلدة القديمة، واعتبرت الرسّامة أن بائع الكعك أو فرن الكعك هو رمز حضاري وثقافي إذ تفاجأت من الصدى الواسع الذي حظيت به اللوحة الفنية خصوصًا من قبل المغتربين عن القدس والوطن من الفلسطينيين والعرب الذين وصفوا شعورهم لدى مشاهدة اللوحة بأنها نقلتهم إلى حواري وأزقة القدس العتيقة، وكأنهم يعيشون فيها اليوم ويشتمّون روائحها الزكية.

أقدم بائع كعك

يبيع كعك القدس منذ (55 عامًا)، إنه البائع الأشهر في القدس، أبو علي ابو اسنينة، إذ استقر به المقام في منطقة باب الساهرة مقابل بريد القدس. يعد من الباعة النشطين والمثابرين، تجول في شوارع القدس وضواحيها المختلفة مثل وادي الجوز وشعفاط يدفع عربة أطفال عليها طرحة أو يحمل طبلية الكعك على رأسه وهي التي تتسع لحوالي 70 كعكة، ثم العربة الأكبر، حتى وصل إلى بسطة الكعك المشهورة في باب الساهرة.

ومن غرائب ما حصل معه أن شخصًا قدِم إليه ذات يوم وابتاع كل كمية الكعك والبيض والفلافل، ولكنه عاد بعد فترة قصيرة يريد إرجاع الكعك لأنّه فوجئ بأن "جماعته" قد حصلوا على كعك من مكان آخر. ولم يمانع أبو اسنينة في استعادة الكعك وتوابعه، وعندما أراد إعادة الفلوس له رفض أخذها تقديرًا له، كونه لم يعارض استرجاع الكعك رغم أن له كامل الحقّ في ذلك. ويقول أبو علي "كانت أيام الكعك زمان حلوة يتناول الناس الكعك في الأعياد، أو يأتون من قرى القدس البعيدة والقريبة يبتاعونه بلهفة وشوق وكأنهم يحصلون على خبز الجنة".

 

الكعك في الشعر والأدب

 

إبراهيم جوهر: كعكة عن كعكة بتفرق!

يقول الأديب إبراهيم جوهر إن الكعك صار جزءًا من هويتنا، بيد أنه يجب التفريق بين كعك وكعك في القدس، فيصح القول هنا أيضًا: كعك عن كعك يفرق! فالذين يقدمون على خبز الكعك بلا خبرة، ولا معدّات يفشلون، أما "أهل الكعك" فهم ما زالوا يحافظون على المسمّى والهوية، فالكعك له هوية أيضًا بعدما نافسه "الكعك الصّيني"!

يا كَعْكِة سُخنِة مْسَمْسَة على عيلة حُرّة مْقَسّمِة

يقول فوزي البكري شاعر القدس القديمة، في قصيدته "قناديل على السور الحزين": لو تَعلمون أنّ كعكةً مغموسةً بزعترٍ وزيتْ، وبسْطةً صغيرةً في سوقِ خان الزيتْ هما الوطن.

ويقول في زجليته "شدّي حيلك يا بلد": يا كَعْكِة سُخنِة مْسَمْسَة على عيلة حُرّة مْقَسّمِة.. أنتِ الدوا للي نَوا يُرْبُط على جُرحُة المَحرَمِة

من الملك إلى بيّاع الكعك!

تعجُّ جعبة بائع الكعك حسين نصار في باب العامود بحكايات الكعك المقدسي، إذ كان يساعد والده الراحل مذ كان طفلًا، ويقول إن هناك من يطلب الكعك وهو في أمريكا، كما حصل قبل فترة مع مواطنة أمريكية من مدينة شيكاغو في ولاية الينوي، فأرسل لها كمية من الكعك المقدسي عبر طرد إلى أعالي البحار، بعد ما سمع أنّ نتنياهو قام بتقديم الكعك المقدسي للرئيس الأمريكي ترامب في زيارته الأخيرة إلى القدس، على أساس أنه كعك إسرائيلي اسمه "بيغله يورشالمي".

وقال نصار مؤيدًا كلام صاحب فرن الرازم في حارة النصارى عودة رجب الرازم الذي يشعل نيران فرنه الذي يعمل على الحطب منذ 40 عامًا، إنّ من يتذوق كعك القدس لا بد أن يعود إليها. ويروي نصار أن الراحل أبو عمار كان يعشق إلى جانب كعك القدس برازق القدس، ويسميها "مقرمشات مقدسية".

 

ويروي الرازم حكاية حصلت مع والده منذ سنوات طويلة عندما خرج في يوم بارد إلى حي واد الجوز يبيع الكعك، وبسبب الجو البارد لم يتمكن من بيع حمولته من الكعك، وعندما يئس، جلس ليستريح جانبًا واضعًا يديه على رأسه ينتفض من البرد، حزينا يائسًا آسفًا على حاله وتعبه الذي ذهب سدى. وفجأة سمع صوت انفجار، فإذا بحافلة سياح وقد انفجر إطارها وتوقفت بالقرب منه فهرول لاستطلاع الأمر وتقديم المساعدة، وعندما نزل السياح من الحافلة لمعاينة الوضع، ووجدوا طبلية الكعك قاموا بشراء جميع الكعك منه، ويشرح الرازي القصة مستعينًا بالمثل الشعبي الدارج "يكسر جمل ليعشّي واوي".

ويتفاعل بائع الكعك نصار مع صديق عمره نائل سيد أحمد "جار الرضا" من حي المصرارة كما يسميه، وهو يذكّره "بنهفة" الكعكة التي بقيت ثلاثة أيام على الطبلية قبل حرب 1967 دون أن تباع إلى أن جاء مواطن لبناني من بيروت، فكانت من نصيبه، وكيف قضمها بتلذذ.

ويؤكد سيد أحمد أن أعداد جريدة "القدس" كانت توزّع في بعض الأحيان وتنقل إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة مع ساعات الفجر الأولى في نفس السيارات التي كانت تحمل الكعك المقدسي، في تناغم مدهش بين غذاء العقل والروح وغذاء المعدة.

ولا يرى سيد أحمد أي مسوغ منطقي للمقولة الدارجة "الحالة تعبانة من الملك لبياع الكعك"، فهي تظلم باعة الكعك والملوك على حد سواء من خلال التلاعب بالألفاظ ليس إلّا.

 

سرٌّ عجيب في كعك القدس

 

"لقد أتيت اليوم لكي أروي لكم قصة للأطفال من عمر الثامنة إلى الإثني عشر عامًا، ولكن نحن جميعًا أمام القدس أطفال.. سرٌّ عجيب في كعك القدس: تفتحت عيون سلوى وهي تشعر بسوء، وكعادتها كلّ صباح تشتري كعكة تأكلها في طريقهاإلى المدرسة. وصلت سلوى لمخبز العم أبو سمير فوجدته مغلقًا وقرأت ورقة معلقة على بابه كتب عليها: مغلق بأمر الحاكم شرهان. تقدّم خالد يخبر سلوى؛ تجوّل الحاكم شرهان بالأسواق أمس، رائحة الكعك كانت تفوح بالمكان، وأُعجب الحاكم بالرائحة فتذوّق الكعك وازداد إعجابه به. قال الحاكم:

أيها الخبّاز إن لهذا الكعك طعمًا لذيذًا لا يجاريه آخر، وإني آمرك أن تصنع لي كعكة بحجم سور المدينة. عمل العم أبو سمير عشرة أيام بلياليها يجهز عجينًا ثم يجعله على شكل إسطواني كبير ويغطيه بالسمسم.

سيدي الحاكم: لقد وصلت الكعكة؛ تحسّس الحاكم بطنه بيديه فلمعت عيناه وقال: أدخلوها في الحال، وبدأ بالأكل. توقف خالد عن الكلام.

قالت سلوى: من أين جاء هذا الحاكم ثم ماذا حصل؟

خالد: استمر الحاكم يأكل الكعكة العملاقة خمسين يومًا وليلة دون توقّف، وحين توقّف تضخمت بطنه فلم يعد قادرًا على الحركة".

من قصة سرٌّ عجيب في كعك القدس لـ"عزّة العزة".

 الكعكة الطويلة المستطيلة

يقول الفران الشويكي، وهو من أقدم الخبازين للكعك في المدينة المقدسة، إن نصر الدين أبو اسنينة هو "صاحب براءة الاختراع" للكعكة الطويلة المستطيلة إذ يقع فرنه في البلدة القديمة بشارع الواد حي القرمي وقناطر خضير قبل أكثر من 40 عامًا. وبعدها صار جميع "الفرّانة" يقلدوّنه. وأن يوم الجمعة هو اليوم المشهود للكعك إذ يتم بيع نحو ستة آلاف كعكة من فرن واحد، إنّه إفطار يوميّ شهيّ للكبير والصغير للغني والفقير، ويوم عيد الفطر هو يوم الكعك بلا منازع، إذ نشاهد المئات يرتدون ملابس العيد وهم يقضمون الكعك بنهم.

C3ZzCuAWAAAg1Yg

hqdefault

WhatsApp Image 2019-03-11 at 6.57.49 PM

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2019