الاثنين, 21 مايو 2018, 04:57 صباحاً
شريط الاخبار
بحث
العلمانية بين أكاديمي وراديكالي ومستشرق
آخر تحديث:
18/05/2018 [ 10:40 ]
العلمانية بين أكاديمي وراديكالي ومستشرق
فهد سليمان الشقيران

لم يشوّه مفهوم لدى العرب والمسلمين كما تم مع «العلمانية». بدءاً من الترجمة الحاملة معها الكثير من العثرات، وليس انتهاءً بتفسير الترجمة، ظلّ التعريف المدرسي: «فصل الدين عن الدولة» متداولاً حتى لدى بعض الأكاديميين والمثقفين، بينما العلمانية أخص من ذلك، إذ تتعدد تأويلاتها، وتختلف أبعادها، وتتنوع تطبيقاتها، ولا يمكن الركون إلى نموذجٍ واحدٍ باعتباره هو الفيصل بين العلمانية الحقّة والأخرى الباطلة، بل الهدف من المفهوم إيجاد مناخ أكثر دنيوية، من أجل تنزيه الدين ورفع مقامه عن النزاعات بين الجموع، أو بين الأفراد المختلفين فيما بينهم في الدولة الواحدة. والعلمانية مفهوم قابل للتطوير والبناء والإبداء والإعادة مثل أي مفهومٍ سياسي. وكل الشحن والتفسير السريع للعلمنة قوبل بهجومٍ من فقهاء ومن مفكرين على حدٍ سواء كما في هجوم عبد الرحمن بدوي على فؤاد زكريا واصفاً إياه بالداعي إلى العلمنة، ومثال آخر في هجاء محمد الجابري للعلمانية حتى قارن طرابيشي بينه وبين يوسف القرضاوي الذي قال في برنامجٍ تلفزيوني: «إنني أتعجب من عدم إقامة حد الردة على العلمانيين»، وبكل حال فإن فهم الجابري للعلمانية كان من أضعف التحليلات السياسية التي قدمها على الإطلاق.

جورج طرابيشي وفي كتابه «هرطقات» خصص فصلاً بعنوان «بذور العلمانية في الإسلام» وفيه يساجل لا الحجج الإسلاموية وحدها، ولا الأكاديمية الناجزة والسريعة، وإنما حتى الاستشراقية، ضارباً بذلك مثلاً ببنارد لويس الذي يعتبر أن الإسلام: «أصله الجوهري اتصالي وليس انفصالياً كما هو حال المسيحية»، وذلك بغية نفي إمكانية حدوث تطور لدى المجتمعات الإسلامية ضمن تحليل نمطي، مما عزز من استحالة وجود علمانية في الدول الإسلامية. وفي ذلك يعلق طرابيشي: «وجدنا مستشرقين ومختصين بالدراسات الإسلامية يسايرهم في ذلك محترفون محليون للمنافحة عن الإسلام يؤكدون بوثوقية لا تحتمل الشك أن الإسلام لم يعرف مبدأ الفصل بين الدين والسياسة كما عرفته المسيحية في التمييز الإنجيلي الشهير، وكما في توزع السلطتين الروحية والزمنية بين الباباوات والقياصرة أو الباباوات والأباطرة في عهود الإمبراطوريات المقدسة الرومانية والبيزنطية والجرمانية ثم بين الباباوات والملوك مع انبلاج فجر الحداثة ونشوء الدولة القومية».
لكن هل يمكن لطرابيشي أن يضرب مثلاً لوجود نزعة «علمنة» في التاريخ الإسلامي؟!
يجيب: «فمع بداية سيطرة العجم من ترك وديلم وسلاجقة على الدولة في القرن الثالث للهجرة فصاعداً، عرف تاريخ الإسلام ما عرفه تاريخ المسيحية من توزع للسلطة بين الباباوات والأباطرة أو بين الباباوات والملوك، فظهر الأمير البويهي أو السلطان السلجوقي إلى جانب الخليفة العباسي وصادر منه السلطة السياسية الفعلية، ولم يترك له سوى السلطة الدينية الرمزية، وتحكَّم به أكثر من تحكم الأباطرة بالباباوات، خلعاً وقتلاً، بل سملاً للعيون إذا اقتضته ضرورة العبث واللهو كما حدث للخلفاء القاهر باللَّه والمتقي للَّه والمستكفي باللَّه».
من هنا نصل إلى نقض مزدوج لحجة استخدمها مفكرون إسلاميون وبعض رجال الدين وبعض المستشرقين، أن النموذج العلماني المتسم بنماذج فصل معينة تجاه تبويب المدينة بين المؤسسة الدينية والسياسة والواقع، وعليه فلا معنى لترديد تلك المقولة الساذجة حول استحالة تصور علمنة لدى المجتمع المسلم أو لبلد كله أو غالبيته من المسلمين.
ولو عدنا لكتاب «الدولة المستحيلة» لوائل حلاق نجده يقوم بالمحاججة نفسها ضد المناوئين المدعين استحالة وجود نماذج تمييز بين السلطات أو بين وظائف الدولة. يقول: «رأى المستشرق اللبناني المشهور إميل تيان (Emile Tyan)، ولقيت حجته رواجاً (بين المستشرقين) لعقود، إنه كان من نتائج مبدأ التفويض (للسلطات) الغياب الكامل للفصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية. وهذا الرأي قائمٌ على معلوماتٍ خاطئة... حدّة التواطؤ بين السلطتين التنفيذية والقضائية، ألا وهو القوة الأخلاقية النموذجية للشريعة التي فرضت على القضاة والحكّام على حد سواء، وكقاعدة عامة، احترام استقلال القضاء. بعبارة أخرى، كان استقلال القضاء جزءاً أساسياً من الثقافة».
بآخر المطاف؛ فإن الهدف هنا إزالة لبس عمره أكثر من قرنٍ من الزمان، إذ يتم تداول تفسيرات ونتائج وأنماط حول العلمانية وعلاقات المجتمعات المسلمة معها، وهذا سببه عدم التدقيق بتاريخ المفهوم وتاريخ الدول، هذا مع وجود مبررات للحساسية من المفهوم منها الضخ الآيديولوجي، وادعاء دول طغيانية بأنها تتبع النظام العلماني كما في أنظمة بعثية بالعراق وسوريا.
الآن الرهان على الوعي الحقيقي بالمفهوم لنجد سبيلاً لتفسيره وطمأنة المجتمعات منه.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
نبيل فهمي: الشرق الأوسط على مشارف سباق تسلح
نبيل فهمي: الشرق الأوسط على مشارف سباق تسلح
قال نبيل فهمي وزير الخارجية المصري السابق أن التصريح الأخير لولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان أثار مخاوف وردود فعل دولية عديدة، ودقت ناقوس الخطر بمجرد أن المملكة نوهت أنها سترفع من قدرتها العسكرية لمعادلة قدرات جيرانها وبالأخص إيران. وأضاف:"رغم جرأة التصريح وصراحة أسلوب طرحه، بما يتماشى مع شخصية ولى العهد السعودي، فلم يكن فى مضمونه، أو الحجة التى استند عليها، موقف استثنائي، فالعديد من الدول، إن لم تكن اغلبها تحافظ على توازن أمنى بينها وبين جيرانها". وتابع فهمي أن الشرق الأوسط منطقة اضطرابات ونزاعات عنيفة، من شمال إفريقيا شرقا، مرورا بمصر وحتى الشام وجنوبا حتى الخليج العربي، لذا فنشوب سباق التسلح، نتيجة طبيعية للصراعات المستمرة فى المنطقة، سواء تسلحا تقليديا أو أسلحة دمار شامل مثل السلاح النووى أو الكيماوى أو البيولوجي، وقد وصل الإنفاق العسكرى فى المنطقة بالفعل إلى معدلات غير مسبوقة من خلال تطوير التصنيع المحلى أو زيادة المشتريات من الخارج. وأشار إلى أن إسرائيل وإيران استبقت بتطوير قدراتهما العسكرية المحلية، بما فى ذلك ما يتعلق بالتكنولوجيا النووية، سواء فى الاستخدام السلمى بالنسبة لكليهما والعسكرى فيما يتعلق بإسرائيل. بل ورد فى تقارير عدة بأن إسرائيل تمتلك أكثر من مائتى رأس نووية وأنظمة صاروخية بقدرات عالية، وهى البلد الوحيد فى الشرق الأوسط الذى لم ينضم إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية كدولة غير نووية. ونوه فهمي إلى أن إيران، المنضمة إلى معاهدة الحد من انتشار النووي، فكانت هناك مخاوف متزايدة حول برنامجها النووي، مما دفع أعضاء مجلس الأمن دائمى العضوية بالاضافة إلى ألمانيا للاتفاق مع إيران على خطة عمل مشتركة (JCPOA) لضبط إيقاع وطموحات البرنامج النووى الإيراني، ومع هذا لا يزال هناك قلق مبرر وتحفظات رئيسية، أولها أن مدة الاتفاق، ومن ثم ضوابطه، لا تتجاوز سنوات معدودة، وثانيها خاص بقدرات إيران الباليستية، أى وسائل إيصال الأسلحة الفتاكة، وثالثها نابع عن تحفظات شديدة على سياسات إيران الإقليمية الخشنة والساعية إلى الهيمنة. وتمنى فهمي ألا يشهد الشرق الأوسط سباق تسلح نوويا، ولا اعتقد أن تصريح ولى العهد يعد إعلانا رسميا عن انطلاق برنامج للتسلح النووى السعودي، وإنما الرسالة الحقيقية لولى العهد هى أن سباق التسلح فى المنطقة وصل بالفعل إلى مستويات خطيرة. بما فى ذلك السلاح النووى والتكنولوجيات الحديثة ووسائل إيصالها، وهو أمر لم يعد من الممكن السكوت عليه. وتابع فهمي :"يجب أن نتوقع سعى دول المنطقة إلى التسلح وتطوير قدراتها المحلية فى حالة عدم الاستجابة لمخاوفهم الأمنية. ولا يستثنى من ذلك الأسلحة التكنولوجية الحديثة والفتاكة، وسيكون اكتساب أسلحة نووية خيارا مطروحا فى هذا السياق". وأكد أن السبيل الوحيد لتجنب هذه التطورات الخطيرة، هو التعامل مع القدرات النووية فى المنطقة والتفاوت بين التزامات الدول بعدم حيازة أسلحة الدمار الشامل، بالانضمام إلى اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية وأسلحة دمار شامل أخرى مثل السلاح الكيماوى والبيولوجى ووضع ضوابط لوسائل إيصالها. وقال وزير الخارجية السابق:"الخطوة أولى نحو هذا الهدف، وبدلا من إلغاء الاتفاق النووى مع إيران أو انسحاب أطراف أخرى منه، اقترح التعامل مع قصور الاتفاق بجدية وشمولية، خاصة وقد أيدت كل دول الشرق الأوسط، من حيث المبدأ، بما فى ذلك إيران واسرائيل إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وأبدت مصر استعدادها للانضمام إلى اتفاقيتى حظر الأسلحة الكيميائية، والبيولوجية فى حال انضمام إسرائيل إلى الاتفاقية النووية. وأقترح أن يتم إنشاء مجموعة تفاوضية من دول الشرق الأوسط، تحت رعاية الدول الخمس الدائمة العضوية فى مجلس الأمن، لتوفير الاستمرارية والعمل فى اطار الأمم المتحدة، مع مشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومنظمة الحظر الشامل للتجارب النووية وهم أكثر المنظمات التقنية المعنية، سعيا لإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وحفظ وسائل إيصالها. وشدد فهمي على أنه يمكن تحقيق ذلك، تحت مظلة منظومة واحدة كبرى تجمع كل دول المنطقة ومختلف أسلحة الدمار الشامل، أو بانضمام الجميع للاتفاقات الدولية القائمة مع اضافة بعض اجراءات التفتيش، وموضوع وسائل الإيصال، علما بأن الاختيار المفضل لى هو مزيج بين الطرحين. وطالب بإيداع خطابات فى مجلس الأمن، تلتزم فيها بتحقيق ذلك الهدف خلال سريان خطة العمل المشتركة الخاصة بالبرنامج النووى الإيراني، والالتزام أيضا بعدم تطوير أسلحة الدمار الشامل الخاصة بهم خلال المفاوضات الجارية. وأوضح يمكن للمنظمات الدولية لحظر أسلحة الدمار الشامل IAEA, OPCW, CTBTO، طرح بعض الإجراءات لبناء الثقة وتوفير مناخ أفضل للتفاوض، والمساهمة فى بلورة نظام التحقق. وأكد فهمي أن الشرق الأوسط على مشارف سباق تسلح بالغ الخطورة، وأمام دول المنطقة والمجتمع الدولى خياران لا ثالث لهما، إما البدء فى مفاوضات جادة شاملة حول ضمان التزام كل دول المنطقة دون استثناء للتخلص من أسلحة الدمار الشامل النووية، الكيميائية والبيولوجية، أو تحمل التداعيات الخطيرة لانتشار أسلحة الدمار الشامل بين دول المنطقة نتيجة تقاعس المجتمع الدولى وازدواجية معاييره.
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018